اعتقادا وعلقوا على بسالتها وإقدامها آمالا طوالا حتى كانوا يرون حول رايتها أرواحا من الفراش البرّاق فساءها امتناع الملك وعرتها من تلك الساعة الكآبة والحزن ، وفارقها ذلك الرشد والنشاط ، وذهبت عنها تلك الحمية والبسالة ، وانقطعت عنها أحلامها الروحانية حتى أصبحت أعمالها رهينة الحيرة والفشل وأقوالها قرينة الوهم والركاك ، وكانت ترى أبدا حائرة النفس ، دائمة البكاء ولما لم يجدها الإلحاح نفعا ، استعادت من معبد رام سلاحها وبرزت ثانية في زي الأبطال غير أن كبراء القادة وأمراء الجيش كانوا قد أشربوا بغضها وأضمروا لها الحسد والضغينة ، فصاروا يشنعون عليها ويسيئون معاملتها ، ويغرون العساكر على نبذ طاعتها ، ويلقبونها بالألقاب المستهجنة ، ويتهمونها بهتك حجابها ويفضحونها أمام العموم ، فكانت تردّهم أقبح الرد ، ولا تجالس إلا حرائر النساء ومصونات الأبكار ، ولا تنام إلا مع امرأة تخفرها ، فلم يجد أحد فيها محلا للوم والقذف ، ومع أنها جرحت جراحات لم يثبت كونها سفكت بيدها دم أحد ، ثم أشارت على الملك بالشخوص إلى باريس ليستخلصها من يد الإنكليز ، فساروا وجاندارك سائرة في ركابه حتى إذا بلغها بعد شق الأنفس أمرها بالهجوم على قويورسنت أوتري حيث يقيم الأعداء فأثخنت في تلك الواقعة جراحا وصرعت عدة صرعات ، ولما استعادت رشدها قامت فعلّقت درعها وسألت الملك الانصراف ، فأبى ووعدها بإعفاء قريتها من الضّرائب ، ومنحها رتبة جليلة ، فعاودت الخدمة مرغمة .
وفي سنة ( 1430 ) م انتدبها الملك إلى إجلاء الإنكليز عن ( كوبيين ) فسارت متدرّعة بالإقدام بيد أنها لما أرادت الإيقاع بالحاضرين خذلها أتباعها فرميت بسهم فصرعت واستسلمت إلى الأمير فندوم ، وذلك في 24 أيار سنة ( 1430 ) م فذاع خبر أسرها في تلك الأصقاع ، وأقبل الناس لرؤيتها ، ثم بويعت للإنكليز وخذلها الملك شارل جاحدا جميلها كافرا نعمتها لؤما منه وخسّة أصل ، وخاض الناس في حديثها وكان أهل باريس يشدّون عليها النكير ويغرون الإنكليز على إتلافها ، فلبثت مسجونة في قلعة جان دولكسنبرغ حتى أقيمت عليها الدعوى في 13 شباط سنة ( 1431 ) م تحت رياسة ( كوشون ) مترنه ( بوقه ) من صنائع هنري السادس عامل الإنكليز ، فسيقت إلى المحكمة ست عشرة مرة أبدت في خلالها ثباتا عجيبا ودفاعا مفحما على أنهم حكموا أخيرا بأنها مبتدعة ساحرة وبأن تجازى بالحبس الأبدي مقصورا قوتها على الخبز والماء ، ثم
معجم أعلام النساء ( الدر المنثور في طبقات ربات الخدور ) — صفحة 214
مساهمون: زينب فواز العاملي
ص٢١٤