قيل : إنها كانت في بلاد بافلاغونيا فحلمت أنها ستصير امرأة ملك قوي فعادت إلى القسطنطينية مسرعة وتابت واتخذت لها بيتا عاشت به بالبر والطهارة تشتغل الليل والنهار بأشغال يدوية لتعيش وتساعد المساكين ، فعلم بها بوستنيان ونظرها فتيّمه هواها وشغفه جمالها الباهر وأعجبه نشاطها وعفتها ، فاقترن بها على رغم مضادة أمه ونسبائه والشرائع القديمة التي تحظر على الشريف أن يقترن بعبيده أو ممثلة أو غريبة ، وأغرى عمه بستين على إصدار أمر يخالف القانون ويبطله ويفتح سبيلا لتوبة بنات الهوى وأمّلهن بالارتقاء إلى أعلى الدرجات وذروة المجد والفخار .
ولما تولى بوستنيان العرش شارك امرأته بالملك وأجلسها على عرشه ووضع التاج القيصري على هامته وهامة ثيودورا الممثلة بنت أكاسيوس حارس الأدباب ، ولم تنج هذه الملكة بتوبتها من هجو العالمين ، فرشقتها ألسنة المبغضين المضادين بسهام الاحتقار والتنديد ، وجهدوا في تذكيرها حالتها الأولى ونكايتها بكل أوان ، فهجرت لذلك مدينة القسطنطينية وعاشت بقصورها وجناتها الواقعة على شاطئ البوسفور ، واعتزلت الناس وانتقمت منهم ما استطاعت .
وكان زوجها في ابتداء ملكها مريضا فبذلت جهدها في جمع الأموال ليمكنها أن تعيش بها عزيزة بعده مكرمة والحق يقال : إن ثيودورا كانت امرأة ذكية فاضلة أتت أعمالا عظيمة مبرورة مشكورة ، وساعدت زوجها في السياسة أشد المساعدة بآرائها وحكمتها ولكن الشعب اليوناني أبغضها لاتباعها مذهب أفتيس ومضادتها بعض الأساقفة ، وفي حزيران سنة ( 548 ) ه ماتت بعلة رديئة كست جسمها بثورا فتكون مدة ملكها ( 22 ) سنة .
ومن أعمالها السديدة ما كان منها في وقت الثورة المشهورة التي حصلت في القسطنطينية في أيام ملك بوستنيان وقد اجتمع الملك والوزراء والعظماء سائرين مضطرين بالهرب خلاصا ، فنهضت الملكة ثيودورا وقالت : إنني أحتقر الفرار إلا من الراحة والسلام فإلى الموت مصير الإنسان وحياة الأمراء المالكين كالعدم بعد فقدهم العز والملك فأطلب إلى اللّه أن لا يجعلني يوما واحدا عارية من التاج وأدوات الزينة الملكية بل يميتني قبل خلعي وسقوطي عن منصة الفخر والمجد ، وإذا اعتمدت أيها الملك على الهرب فجميع وسائله ميسورة
معجم أعلام النساء ( الدر المنثور في طبقات ربات الخدور ) — صفحة 209
مساهمون: زينب فواز العاملي
ص٢٠٩