وواعدت الثريا عمر أن تزوره فجاءت في الوقت الذي ذكرته ، فصادفت أخاه الحارث قد طرقه وأقام عنده ووجه به في حاجة له ونام مكانه وغطى وجهه بثوب فلم يشعر إلا بالثريا قد ألقت نفسها عليه تقبله ، فانتبه وجعل يقول : اغربي عني فلست بالفاسق أخزاكما اللّه . فلما علمت بالقصة انصرفت ورجع عمر فأخبره الحارث بخبرها فاغتم لما فاته منها وقال : أما واللّه لا تمسّك النار أبدا وقد ألقت نفسها عليك . فقال الحارث : عليك وعليها لعنة اللّه .
وتزوّجها سهيل بن عبد العزيز بن مروان وكان عمر بن أبي ربيعة أخرجه مسعدة بن عمرو إلى اليمن في أمر عرض له ، وتزوجت الثريا وهو غائب ، فلما رجع وجدها نقلت في ذلك اليوم إلى الشام ، فأتى المنزل الذي كانت فيه وسأل عنها فأخبر أنها رحلت من يومئذ ، فخرج في أثرها فلحقها في مرحلتين وكانت قبل ذلك مهاجرته لأمر أنكرته عليه ، فلما أدركهم نزل عن فرسه ودفعه إلى غلامه ومشى متنكرا حتى مر بالخيمة فعرفته الثريا وأثبتت حركته ومشيته فقالت لحاضنتها : كلميه . فسلمت عليه وسألته عن حاله ، وعاتبته على ما بلغ الثريا عنه ، فاعتذر وبكى ، فبكت الثريا وقالت : ليس هذا وقت العتاب مع وشك الرحيل ، فحادثها إلى طلوع الفجر ثم ودعها وبكيا طويلا وقام فركب فرسه ووقف ينظر إليهم وهم يرحلون ثم أتبعهم بصره حتى غابوا وأنشأ يقول :
يا صاحبيّ قفا نستخبر الطّللا * عن حال من حلّه بالأمس ما فعلا
فقال بالأمس لما أن رأيتهم * إن الخليط أجدّوا البين فاحتملا
وخادعتك النوى لما رأيتهم * في الفجر يحتث حادي عيسهم رحلا
لما وقفنا نحييهم وقد صرخت * هواتف البين واستولت بهم أصلا
صدّت بعادا وقالت للتي معها * باللّه لوميه في بعض الذي فعلا
وحدّثيه بما حدّثت واستمعي * ماذا يقول ولا تعيي به جدلا
حتى تري أن ما قال الوشاة له * فينا لديه إلينا كله نقلا
وعرّفيه به كالهزل واحتفظي * في بعض معتبة أن تخطئ الرجلا
فإن عهدي به واللّه يحفظه * وإن أتى الذنب ممن يكره العذلا
لو عندنا اعتيب أو نيلت نقيصته * ما آب معتابه من عندنا جذلا
قلت اسمعي فلقد أبلغت في لطف * وليس يخفى على ذي اللّب من هزلا