سلبتني مجّاجة المسك عقلي * فسلوها ماذا أحلّ اغتصابي
وهي مكنونة تحير منها * في أديم الخدّين ماء الشباب
أبرزوها مثل المهاة تهادى * بين خمس كواعب أتراب
ثم قالوا : تحبها قلت : بهرا * عدد القطر والحصا والتراب
فلما سمع ابن عتيق قوله : ( من رسولي إلى الثريا فإني ) . قال : إياي أراد وبي نوّه لا جرم واللّه لا أذوق أكلا حتى أشخص فأصلح بينهما ، ونهض ، قال بلال مولى ابن أبي عتيق : فركب وركبت معه فسار سيرا شديدا فقلت : أبق على نفسك ، فإن ما تريد ليس يفوتك فقال : ويحك ( أبادر حبل الودّ أن يتقضّبا ) ، وما حلاوة الدنيا إن تم الصدع بين عمر والثريا . فقدما مكة ليلا غير محرمين فدق على عمر بابه فخرج إليه وسلم عليه ، ولم ينزل عن راحلته ، فقال له : اركب أصلح بينك وبين الثريا ، فأنا رسولك الذي سألت عنه ، فركب معه وقدموا الطائف وقد كان عمر أرضى أم نوفل فكانت تطلبت له الحيل لإصلاحها فلم يمكنها ، فقال ابن أبي عتيق للثريا : هذا عمر قد جشّمني المسير من المدينة إليك فجئتك به معترفا لك بذنب لم يجنه معتذرا من إساءته إليك فدعيني من التعداد والترداد ، فإنه من الشعراء الذين يقولون ما لا يفعلون ، فصالحته أحسن صلح وأتمه وأجمله ، ورجعوا إلى مكة ، فلم ينزلها ابن أبي عتيق حتى رحل ، وزاد عمر في أبياته ، فقال :
أرهقت أم نوفل إذ دعتها * مهجتي ما لقاتلي من متاب
حين قالت لها : أجيبي فقالت : * من دعاني ؟ قالت : أبو الخطاب
فاستجابت عند الدعاء كما ل * بي رجال يرجون حسن الثواب
وكانت أم نوفل دعتها لابن أبي عتيق ولو دعتها لعمر ما أجابت .
وأتى عمر الثريا يوما ومعه صديق له كان يصاحبه ويتوصل بذكره في الشعر ، فلما كشفت الثريا السّتر وأرادت الخروج إليه رأت صاحبه فرجعت ، فقال لها : إنه ليس ممن أحتشمه ولا أخفى عنه شيئا واستلقى فضحك وكان النساء إذ ذاك يتختمن في أصابعهن العشرة فخرجت إليه فضربته بظاهر كفها فأصابت الخواتم ثنيتيه العليين وكادت أن تقلعهما ، فعالجهما فشفيتا واسودتا ، وكان يفتخر بهما ويعدّه أثرا عزيزا عنده .