فإن لم يتعلم من جريه تعلم من خلقه . فخجل من قولها وانصرف .
ولما ضاقت بجميل الحيل وأراد الخروج إلى الشام هجم ليلا على بثينة وقد وجد غفلة في الحي فقالت له : أهلكتني واللّه وأهلكت نفسك ويحك أما تخاف ؟ فقال لها : هذا وجهي إلى الشام وإنما جئتك مودعا ، فحادثها طويلا ثم ودعها وقال : يا بثينة ما أرانا نلتقي بعد هذا وبكا بكاء طويلا وبكت ثم قال وهو يبكي :
ألا لا أبالي جفوة الناس ما بدا * لنا منك رأي يا بثين جميل
وما لم تطيعي كاشحا أو تبدلي * بنا بدلا أو كان منك ذهول
وإني وتكراري الزيارة نحوكم * بثين بذي هجر بثين يطول
وإن صباباتي بكم لكثيرة * بثين ونسيانيكم لقليل
وخرج إلى الشام وطال غيابه فيها ، ثم قدم وبلغ بثينة خبره فراسلته مع بعض نساء الحي تذكر شوقها إليه ووجدها به وطلبها للحيلة في لقائه ، وواعدته لموضع يلتقيان فيه ، فسار إليها وحدثها وبثّ إليها أشواقه وأخبرها خبره بعدها ، وقد كان أهلها رصدوها فلما فقدوها تبعها أبوها وأخوها حتى هجما عليهما فوثب جميل وانتضى سيفه ، وشد عليهما فاتقياه بالهرب ، وناشدته بثينة اللّه إلا انصرف وقالت له : إن أقمت فضحتني ولعل الحي أن يلحقوا بك فأبى وقال :
أنا مقيم وامض أنت وليصنعوا بي ما أحبوا ، فلم تزل تنشده حتى انصرف وقد هجرته وانقطع التلاقي بينهما مدة ، وفي ذلك يقول :
ألم تسأل الربع الخلاء فينطق * وهل تخبرنك اليوم بيداء سملق
وقفت بها حتى تجلّت عمايتي * وملّ الوقوف الأرحبيّ المنوّق
تعزّ وإن كانت عليك كريمة * لعلك من رق لبثنة تعتق
لعمركم إن البعاد لشائقي * وبعض بعاد البين والنأي أشوق
لعلك محزون ومبد صبابة * ومظهر شكوى من أناس تفرقوا
وبيض غريرات تثني خصورها * إذا قمن أعجاز ثقال وأسوق
عزائز لم يلقين بأس معيشة * يجنّ بهن الناظر المتنوّق
وغلغلت من وجد إليهن بعدما * سريت وأحشائي من الخوف تخفق
معي صارم قد أخلص القين صقله * له حين أغشيه الضّريبة رونق
فلولا احتيالي ضقن ذرعا بزائر * به من صبابات إليهن أولق