ويحك إن في هذا معاداتي الحي جميعا إن فطن به . فقال : أنا أتحرّز في أمره من أن يظهر ، فواعده في ذلك ومضى إلى جميل فأخبره بالقصة فأتيا الرجل ليلا فأقاما عنده وأرسل إلى بثينة بوليدة له بخاتم جميل فدفعته إليها ، فلما رأته عرفت فتبعتها وجاءته ، فتحدثا ليلتهما ، وأقام بموضعه ثلاثة أيام ثم ودّعها وقال لها : عن غير قلى واللّه ولا ملل يا بثينة كان وداعي لك ولكني قد تذممت من هذا الرجل الكريم وتعريضه نفسه لقومه ، وقد أقمت عنده ثلاثا ولا مزيد على ذلك . ثم انصرف وقال في عذل روق له :
لقد لامني فيها أخ ذو قرابة * حبيب إليه في ملامته رشدي
وقال أفق حتى متى أنت هائم * ببثنة فيها قد تعيد وقد تبدي
فقلت له فيها قضى اللّه ما ترى * عليّ وهل فيما قضى اللّه من ردّ
فإن يك رشدا حبها أو غواية * فقد جئته ما كان مني على عمد
لقد لجّ ميثاق من اللّه بيننا * وليس لمن لم يوف للّه من عهد
فلا وأبيها الخير ما خنت عهدها * ولا لي علم بالذي فعلت بعدي
وما زادها الواشون إلا كرامة * عليّ وما زالت مودّتها عندي
أفي الناس أمثالي أحب فحالهم * كحالي أم أحببت من بينهم وحدي
وهل هكذا يلقى المحبون مثل ما * لقيت بها أم لم يجد أحد وجدي
قيل : وقع بين بثينة وجميل هجر في غيرة ، كان غار عليها من فتى كان يتحدث إليها من بني عمها ، فكان جميل يتحدث إلى غيرها فيشق ذلك على بثينة وعلى جميل ، وجعل كل واحد منهما يكره أن يبدي لصاحبه شأنه ، فدخل جميل يوما وقد غلب عليه الأمر إلى البيت الذي كان يجتمع فيه مع بثينة ، فلما رأته جاءت إلى البيت ولم تبرز له ، فجزع لذلك وجعل كل واحد منهما يطالع صاحبه وقد بلغ الأمر من جميل كل مبلغ ، فأنشأ يقول :
لقد خفت أن يغتالني الموت عنوة * وفي النفس حاجات إليك كما هيا
وإني لتثنيني الحفيظة كلّما * لقيتك يوما أن أبثك ما بيا
ألم تعلمي يا عذبة الريق أنني * أظل إذا لم أسق ريقك صاديا
فرقّت له بثينة وقالت لمولاة لها كانت معها : ما أحسن الصدق بأهله ثم اصطلحا فقالت له : أنشدني قولك :