وبالغ في هجري بغير جناية * سوى إنني بالغت في حبه صدقا
وأصفيته مني الوداد وان يكن * سقاني بعد الصفو من وده رنقا
وأعددته كهفا وأيقنت انه * يقيني متى ألقى من الدهر ما ألقى
عجبت له وهو الجواد الذي شأى * ذوي الجود والمعروف يوم الندي سبقا
يضن على أدنى الأنام علاقة * إليه بشئ لا يدوم ولا يبقى
ويعرض اعراض الأجانب عنهم * وهم من أمس الناس طرا به عرقا
ويغضب دهرا من توهم زلة * كان لم يكن في القوم أحسنهم خلقا
وأياك والساعي فمبلغك الأذى * كفاعله لم ألف بينهما فرقا
وذي غربة شط الزمان بألفه * وحلف شجا طارت بسلوانه عنقا
بلى أن في نفسي عتابا لو انني * قرعت به صلد الصفا لان أو رقا
وله مراسلا ابن عمه المذكور ومشتكيا من الزمان :
هواك نفى عن مقلتي طيب الكرى * كما قد نفيت العسر عني باليسر
وحبك ارسى في فؤادي كما رسى * بقلبك حب المكرمات إلى الحشر
وإن سلوي عنك ولى مجانبا * كما قد تولى الذم عنك مدى الدهر
وشوقي إلى رؤياك جاوز حده * كما جزت حد العلم والمجد والفخر
فيا أيها المولى الكريم ومن له * علي اياد لا يقوم بها شكري
وخير ابن عم من ذؤابة هاشم * أقيم به أمري وشد به ازري
وأزكى فتى تنميه خير عصابة * أوامرها في البر تجري وفي البحر
وفرع أصول شرف الله قدرها * قديما كما قد شرفت ليلة القدر
أتدري وقاك الله كل كريهة * باني مطوي الضلوع على جمر
أقاسي من الأيام كل عظيمة * يقل وإن كنت الجليد لها صبري
وبينا فؤادي في انصداع من النوى * إذا هو في كسر أتيح على كسر
فلا در در الدهر ان صروفه * جلبن الأسى من حيث ندري ولا ندري
أفي كل يوم لي بأنيابه دم * كريم بغير البيض طل أو السمر
وأعجب شئ أن يراق ولم يقم * به أحد منا يطالب بالوتر
ولكننا نرضى ونصبر رغبة * إلى الله في نيل المثوبة والاجر
ونعلم إن الله ما شاء كائن * وإن القضا جار على العبد والحر
وإن الردى كأس وكل يذوقه * وداعيه لا ينفك في السر والجهر
ولكننا لا نستفيق جهالة * فنحن نيام والمنايا بنا تسري
وكل بهاتي الدار سكران واله * ولكن إذا متنا أفقنا من السكر
هنالك لا ينجي الفتى غير ما اتى * من الباقيات الصالحات لدى الحشر
فاسال ربي ان يعاملنا معا * وإخواننا بالفضل واللطف والبر
ولا زلت طول الدهر في دعة أبا ال * جواد وعيش مستطاب وفي بشر
وزادك يا ابن العم ربك أنعما * تقيدها بالحمد منك وبالشكر
وله مراسلا ابن عمه المذكور ويشكو الزمان وضمنها مواعظ وحكما
كثيرة ومديح أهل البيت ع ورثاء الحسين ع :
لعمرك ما للدهر عهد ولا أمن * ولا ذو حجى حربه عيشه يهنو
وهل من أمان للزمان ووده * واحداثه في كل يوم لها لون
وكيف يطيب العيش فيها لذي نهى * ترحل عنه الأب والأم والابن
وإن امرءا أصلاه ماتا وفرعه * لميت وان لم يعله الترب واللبن
وهل بعد عد المرء خمسين حجة * من العمر في الدنيا يروق له حسن
وبعد اشتعال الرأس بالشيب ينبغي * بلوع المنى والعظم قد نابه وهن
فهب انك ناهزت الثمانين سالما * فهل أنت الا في تضاعيفها شن
إذا فات منك الأطيبان فلا تبل * متى انخسف الصدغان وارتفع البطن
وإن نازعتك النفس يوما لشهوة * فقل وهت الأحشاء واستوهن المتن
أتأمل في الدنيا القرار سفاهة * وقد أزف الترحال واقترب الظعن
وما المرء إلا رهن يوم وليلة * ولا في ذا أو بذي يغلق الرهن
وانا بني حواء أغصان روضة * إذا ما ذوي غصن ذوي بعده غصن
وهل نحن الا كالأضاحي تتابعت * أو البدن ما تدري متى يومها البدن
نراع إذا ما طالعتنا جنازة * ونلهو إذا ولت وما جاءنا امن
كثلة ضان راعها الذئب رتعا * فلما مضى عادت لمرتعها الضأن
نروح ونغدو في شعوب ( 1 ) من المنى * وعين شعوب نحونا ابدا ترنو ( 2 )
نحوم على الدنيا ونبصر بطشها * ونعشو عن الأخرى وهذا هو الغبن
واعجب شئ وهي الأم جارة * غدا كل حر وهو عبد لها قن
ولو إننا نخشى المعاد حقيقة * لما اعتادنا غمض ولا ضمنا ركن
ولكننا عن مطلب الخير في عمى * تحول بنا عن نيله ظلل دجن
لنا الوهن والاغفال في طلب التقى * وفي طلب الدنيا لنا الحزم والذهن
وما نحن الا للمنون فريسة * فلم نقطع الأرحام شحا وما نحنو
وتخدعنا الدنيا ونعلم أنها * بغي لها في كل آونة خدن
ونهوى بها طول المقام جهالة * على أنها في عين أهل النهي سجن
وانا بها كالظعن عرس ليلة * بقفر فلما أسفرت سافر الظعن
تناهبنا احداثها وتروعنا * بها كل يوم من أعاجيبها فتن
وهيهات لا يبقى جواد مؤمل * ولا بطل يخشى بوادره قرن
ولا سوقة من سائق الموت هارب * ولا ملك يوقيه جيش ولا خزن
فأين أنوشروان كسرى وقيصر * ومن طوف الدنيا وقامت به المدن
تبين بذي القرنين كم قبلة انطوت * قرون وكم من بعده قد مضى قرن
وأين الذين استخلفوا من أمية * ودوخت الدنيا جيوشهم الرعن
وأين بنو العباس تلك ديارهم * تلافع بالزوراء ارسى بها الدمن
وفي الخلد ( 3 ) والمنصور للناس عبرة * فني الخلد والمنصور دمره الحين
وفي التاج منها عبرة وعجيبة * غداة إليه قوض الأبيض الجون ( 4 )
فاحكم أس التاج من شرفاته * وأعلاه من أدناه فاعجب لما أفتنوا
عفا وكان لم يصطبح فيه مترف * يرنحه من صوت عذب اللمى لحن
وهارون من قصر السلام رمى به ا * لحمام إلى أقصى خراسان والبين
وتلك بسامرا مواطنهم غدت * يبابا مغانيها لوحش الفلا وطن
فاكامها للعفر والعصم موئل * وللبوم والغربان آطامها وكن
تخطى إليهم في معاقل عزهم * رسول باشخاص النفوس له الإذن
فذا هادم اللذات لا تنس ذكره * وإلا تكن من لا يقام له وزن
منغص شهوات الأنام فكم به * قد انطرفت عين وسكت به أذن
فلا يا من الدنيا امرؤ فهي أيم * وفي البيض سن أنيابها السم مكتن
وما هي إلا لجة فلتكن بها * لك الباقيات الصالحات هي السفن
فقصر فما طول الدعاء بنافع * معاشر لا تصغي لداع ولا تدنو
تعودت السوء وما المرء تاركا * عوائده حتى يواريه الدفن
فكم عظة مرت ولم ننتفع بها * وفي وعظ من لا يرعوي تخرس اللسن
ومن لم يرعه لبه وحياؤه * فليس بموروع وان علت السن
هامش
( 1 ) ضروب .
( 2 ) اسم للموت .
( 3 ) قصر كان للمنصور ببغداد .
( 4 ) الأبيض قصر في المدائن للأكاسرة كان أعجوبة نقضه أحد العباسيين فجعل أعلاه أساسا للتاج
وأسه شرفات له والتاج قصر في دار الخلافة ( الناظم ) .