صبي فلن يصحو الفتى المخمور * ما شع في الدنيا طلا وثغور
وهت الحياة فما يحرك حسها * وهج صلاه غرامك المأجور
فاستنجدي بالكاس على حميمه * يطغى على أعصابه فتثور
واسقيه حتى ما يحس كرامة * لشبابه يندى بها الماخور
واسقيه حتى ما تظل ماثم * للشاربين ولا يظل فجور
واسقيه حتى ترتوي بدمائه * احشاؤك الظمأى خنى ، وتفور
واسقيه حتى يستفيق خياله * ويعود يخفق جنحه المصهور
خفقان أجنحة الحبيس يهيجه * مرأى البواشق تعتلي وتطير
هي ساعة فاستنز في متع الخنى * فيها ويطوى عارها الممهور
وإذا فتاك خيالة من شهوة * تهذي ، وظل للشجون يسير
يا دمية الماخور أين عن الهوى * هذا المجون الفاتر الممكور
متبذل اللذات مشلول المنى * سمج الدعابة بالونى مغمور
قبل تزق ولا لهيب ولا لظى * تطفو به حمى الهوى وتدور
ومحاسن كلف الذبول بطيها * وئد الشباب بها وغاب النور
لو لم تكن حواء أكرم منزلا * ما قلت إلا جيفة ونسور
أين الشفاه عن اللذاذات العلى * أم أين عن هرج الخفوق صدور
أين العيون يشع من احداقها * للنشوة الكبرى سنى وسعير
أين الخيالات العذاب يلفها * لليل منضود الوساد وثير
تتناقل الهمسات مسروق الخطى * فيه ويعذب جرسها المسحور
وتطوف النعمى فيلقف حالم * من فيضها ومسهد وسمير
أواه ما في ليلك الدامي سوى * حرق يداعبها الأسى ويثير
وقال :
إلى أين يمضي بنا ركبنا * عنيفا لجوجا على عمرنا
وحتام يعصف فينا القضاء * وتودي الرياح بأسمالنا
أكنا من الكون ألعوبة * وهل أبدع الكون إلا لنا
ومن أبدع الكون ؟ حاشا الاله * أيهوي إلى لهو أطفالنا
وحتى الصغار إذا ما لهوا * ففي لهوهم دفقات المنى
ونحن الكبار بآمالهم * صغار بخيبات آمالنا
صغار لأنا بعرف الحياة * نفلسف أسفاف أوهامنا
ونزعم انا كبار النفوس * ولكن واقعنا خاننا
ومن ساقني للنفاق الدني * على النفس مشكلتي أم أنا ؟
ومنذا يجيب على سؤلنا * أصمت المقادير أم صمتنا ؟
مللنا انتظار الجواب المريب * فكنا الجواب على سؤلنا
وقال :
نجمة الصبح يا حطام الليالي * ورماد اللفافة السوداء
خلفتك الظلماء عقبا ذليلا * تحت اقدام كبرياء الضياء
أنت للنائمين إشراق صبح * ولعيني هجعة الظلماء
خالك الناس كالبداية عنفا * واتقادا في قبة الجوزاء
وأرى فيك من نهاية عمري * ذلة الأوب وانكسار العزاء
جرني الكاس للحياة فادمى * قدمي البكر بالسرى والعياء
انا لولاه مقعد في سرابي * وأسير لوحدتي وانزوائي
لامني الناس في رفاقة كاسي * يحرمون الأعمى عصا الاهتداء
ويرومون ان أغني وأشدو * في زوايا مقابر الاحياء
أنت نايي يا كأس والنغم الحلو * عطاء من كفك الخرساء
أنت حطمتني وسقت حياتي * في دياجير هذه الظلماء
انا لولاك جذوة من طموح * لم تسعها مدارج العلياء
ثم ما ذا ، أخون فيك صديقي * وسميري وسلوتي وعزائي
لا وعينيك أيها السم فافتك * بالسقيم المنهوك من أحشائي
أعوزتني صداقة الناس فاملأ * بحطام الأوهام فقر فضائي
وقال :
ضلال العمى وضلال البصر * وحمى الملال وحمى السفر
ودف ء الضياع ودف ء السكون * وجود التفاهة في المنتظر
وشح المعين وبذل العفاء * وما في المنى من قصور النظر
وما زخرف الغيب من موحلات * وما يعثر الياس من مدخر
وما كوم العجز من شامخات * وما خرب الحسن في ما عمر
وما دنس الطهر من طاهرات * وما صوف العهر فيمن عهر
بغاء العفاف صراخ السكون * جفاف العطاء ومحل المطر
وهذا العواء الرتيب النشاز * وهذا العزوف الشريد الفكر
وهذا المتاه السديد الدروب * وهذا الفراع البليغ العبر
وما بين هذا وهذا وذا * تمادى المتاه وضاع العمر
وقال :
يا أمس ، يا غد ، يا يومي ! بأيكم * أنمي وارثي واستوحي وابتسم
أنتم حياتي تسامت في تناقضها * فما تبذل الا حين تنجحم
يومي وأمسي ، وأخشى أن أقول غدي * غرقت في الألم الساجي وما علموا
كأنني لم أعش أمسي ولا عبقت * بين الشفاه عطور سمحة ودم
كان تلك الدنى أشباح واهمة * لا أكؤس لمعت فيها ولا نغم
تباله الزمن الواهي فمر بها * مر الكرام : عيون اوصدت وفم
واليوم ؟ يا لشقائي اليوم لا ذكر * ظئر الربيع ولا شاء ولا نعم
أما الغد المتناهي في غباوته * فما تلفت إلا حين يتهم
وقال :
يا حلمي المخمور من روعك ؟ * ويا ظلام الصبح من أطلعك ؟
حتى على الأحلام ران الأسى * يا مصرع الأحلام ما أروعك !
يا كوكبي الهادي ويا جنتي * ما أظما الدنيا وما أترعك !
مات الهوى والشوق في مهجتي * وماتت الآهات الا معك
وقال :
تناهى النداء إلى مسمعي * فما هدهد الحلم في مضجعي
وما هز حتى شهي السهاد * ثقيل الظلال على مهجعي
نداء البعيد بعيد الصدى * غريب الرنين على مسمعي
تجاهله القلب في وحشة * وما هز من حوله اضلعي
نداء القصي القريب البعيد * تزيفه حلة المدعي
نداء الدعي بأوهامه * بان على العهد ذاك الدعي
وقال :
في أي صقع استقر واسكن * ولأي ظل أستريح وأركن
ألف السرى قدمي فما يحلو له * إلا التشرد فهو أشرس أرعن
من كل أرض في نعالي غبرة * ولكل ريح في ثيابي مسكن
أعيان الشيعة — صفحة 103
مساهمون: السيد محسن الأمين
ص١٠٣