والوقوف بين يدي ربي عزّ وجلّ لا أدري إلى الجنة أم إلى النار .
وقيل له وقد اشترى وسقا من طعام : يا أبا عبد اللّه ، تفعل هذا وأنت صاحب رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم ؟ فقال : إنّ النفس إذا أحرزت قوتها اطمأنت ، وتفرغت لعبادة اللّه عزّ وجلّ ، ويئس منها الوسواس .
وعن عطية بن عامر قال : رأيت سلمان رضي اللّه عنه أكره على طعام يأكله ، فقال : حسبي ! حسبي ! فإني سمعت رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم يقول : « أكثر الناس شبعا في الدنيا أطولهم جوعا في الآخرة ، يا سلمان ! إنما الدنيا سجن المؤمن وجنة الكافر » « 1 » .
وروى أبو الفرج « 2 » - رحمه اللّه - بسنده إلى ابن عباس - رضي اللّه عنهما - قال : حدثني سلمان الفارسي - رضي اللّه عنه - قال : كنت فارسيا من قرية من قرى أصفهان تسمى جي ، وكان أبي دهقان قريته ، وكنت أحبّ خلق اللّه إليه ، فلم يزل حبه إياي حتى حبسني في بيته كما تحبس الجارية ، واجتهدت في المجوسية ، وكانت لأبي ضيعة عظيمة ، [ وكان ] يشتغل في شأن له يوما ، فأمرني أن أذهب إلى ضيعته ، وأوصاني ببعض ما يريد ، فخرجت أريد ضيعته فمررت بكنيسة من كنائس النصارى ، فسمعت أصواتهم فيها وهم يصلّون ، وكنت لا أدري ما أمر الناس لأني محبوس في البيت ، فدخلت عليهم انظر ما يصنعون ، فلما رأيتهم أعجبتني صلاتهم ، ورغبت في أمرهم ، وقلت : هذا واللّه خير من الذي نحن فيه ، فو اللّه ما تركتهم حتى غربت الشمس ، وتركت ضيعة أبي فلم آتها ، وقلت لهم : أين أصل هذا الدين ؟ قالوا : بالشام ، فرجعت إلى أبي وقد بعث في طلبي وشغلته عن عمله ، فلما جئته ، قال : أي بني ! أين كنت ، ألم أكن عهدت إليك ما عهدت ؟ قلت : يا أبت ! مررت بأناس يصلّون في كنيسة لهم
هامش
( 1 ) حديث ( أكثر الناس شبعا ) : أخرجه الترمذي برقم ( 2480 ) ، وابن ماجة رقم ( 3351 ) ، والبزار ( 3670 ) « كشف الأستار » ، وأبو نعيم في « الحلية » ( 7 / 256 ) والبيهقي في « الشعب » ( 5 / 26 - 27 - 28 ) وهو حديث ثابت .
( 2 ) أبو الفرج ابن الجوزي تقدمت ترجمته ( ص 87 ) .