وقال : ما أخذنا التصوّف عن القيل والقال ، بل عن الجوع ، وترك الدنيا ، وقطع المألوف . وقيل له : ما الفرق بين المريد والمراد ؟ فقال : المريد تولية سياسة العلم ، والمراد تولية رعاية الحق ، فإنّ المريد يسير والمراد يطير ، وأين السائر من الطائر ؟ .
وقال : الإخلاص بين اللّه وعبده ، ولا يعلمه ملك فيكتبه ، ولا شيطان فيفسده ، ولا هوى فيهلكه .
وقال : الصادق يتقلب في اليوم أربعين مرة « 1 » ، والمرائي يثبت على حاله أربعين سنة .
وقال : الاستئناس بالناس حجاب عن اللّه ، والطمع فيهم فقر الدارين .
وقال : لا يسمى عبد عاقلا حتى لا يظهر على جوارحه شيء ذمّه ربه .
وقال : بني الطريق على أربع : لا تتكلم إلا عن وجود « 2 » ، ولا تأكل إلا عن فاقة ، ولا تنم إلا عن غلبة ، ولا تسكت إلا عن خشية .
وقال : صفاء القلوب على حسب صفاء الذكر وخلوصه عن الشوائب .
وقال : كلام الأنبياء عن حضور « 3 » ، وكلام الصدّيقين عن مشاهدة .
وقال : من زعم أنّه يعرف اللّه وهو كاذب ابتلاه بالمحن ، وحجب ذكره عن قلبه وأجراه على لسانه ، فإن تنبه وانقطع إليه وحده كشف عنه المحن ، وإن داوم السكون إلى الحق « 4 » نزعت من قلوبهم الرحمة عليه ، وألبس لباس الطمع فيهم ، فتصير حياته عجزا وموته كمدا وآخرته أسفا ، نعوذ باللّه من الركون إلى غيره .
هامش
( 1 ) قوله ( الصادق يتقلب ) : تقلب التلون في الطاعات والعبادات حسب مراد اللّه في الأوقات حتى لا يشهر بنوع واحد من أنواع التعبد بين الخلق فتكون فيه شائبة رياء ( ع ) .
( 2 ) قوله ( لا تتكلم إلا ) : وفي الحكم : عباراتهم إما لفيضان وجد أو لقصد هداية مريد ( ع ) .
( 3 ) قوله ( عن حضور ) : أي دائم مع رفع الحجاب عن بصائرهم وأبصارهم ، أما كلام الصديقين فعن مشاهدة قلبية غيبية مع الحجاب ، وربما يرفع لهم في وقت ما . ( ع ) .
( 4 ) ظاهر العبارة يقتضي : وإن داوم السكون إلى الخلق . فلعلّ ما ذكره سهو من المؤلف . ( ع ) .