وحج المنصور سنة سبع وأربعين ومائة فقدم المدينة ، فقال : عليّ بجعفر بن محمد عليهما السلام ، قتلني اللّه إن لم أقتله فتغافل عنه الربيع لينساه ، ثم أعاد ذكره فتغافل عنه ، فأعاد ذكره ثالثا برسالة قبيحة للربيع ، فلما جيء به ، قال له الربيع : العذر إليك قد شدّد في طلبك ، فقال :
لا حول ولا قوة إلا باللّه ، فلما دخل عليه ، قال : يا عدوّ اللّه ! اتخذك أهل العراق إماما يحملون إليك زكاة أموالهم وتلحد في سلطاني وبيعتي ؟ قتلني اللّه إن لم أقتلك ، فقال جعفر : يا أمير المؤمنين ! إن سليمان - عليه الصلاة والسلام - أعطي فشكر ، وإن أيوب - عليه الصلاة والسلام - ابتلي فصبر ، وإن يوسف - عليه الصلاة والسلام - ظلم فغفر ، وأنت من ذلك العنصر ، فقال له المنصور : إلى عندي أبا عبد اللّه البريء الساحة ! جزاك اللّه من ذي رحم أفضل ما جازى به ذوي الأرحام عن أرحامهم ؛ ثم تناول يده وأجلسه معه على فراشه وطيبه بيده حتى جعل لحيته قاطرة طيبا ؛ ثم أمر له بجائزة وكسوة ، وقال : انصرف في حفظ اللّه وكنفه فانصرف ، فقال له الربيع : إني رأيت عجبا ، فما قلت يا أبا عبد اللّه حين دخلت ؟ قال : قلت : اللهم احرسني بعينك التي لا تنام ، واكنفني بركنك الذي لا يرام ، واحفظني بقدرتك عليّ لا أهلك وأنت رجائي ، اللهم إنك أعظم وأجلّ مما أخاف وأحذر ، اللهم بك أدفع في نحره ، وبك أستعيذ من شره .
وقال : عجبت لمن أعجب بأمر لنفسه كيف لا يقول : ما شاء اللّه لا قوة إلا باللّه ، واللّه تعالى يقول :
وَلَوْ لا إِذْ دَخَلْتَ جَنَّتَكَ قُلْتَ ما شاءَ اللَّهُ لا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ
[ الكهف : 39 ] .
وعجبت لمن خاف قوما كيف لا يقول : حسبي اللّه ونعم الوكيل ، واللّه تعالى يقول :
الَّذِينَ قالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزادَهُمْ إِيماناً وَقالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ ، فَانْقَلَبُوا بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ لَمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ وَاتَّبَعُوا رِضْوانَ اللَّهِ وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَظِيمٍ
[ آل عمران : 173 ] .