جوابا وحكي أيضا أنّ أبا العتاهية قال لأبى نواس : كم تنظّم بيتا من الشّعر في اليوم فقال : أنظم البيت أو البيتين وربّما تعسّر علىّ تركيب البيت فأصلحته في اليوم الثّانى فقال له أبو العتاهية : أنا انظم المائة والمائتين في اليوم ، وفي رواية قال وإنّنى لأعمل في اللّيلة ألف بيت ، فقال أبو نواس إن كان مثل قولك :
يا عتب مالي ولك * يا ليتني لم أرك
فأنا انظم ألفا وألفين في اليوم وإن كان مثل قولي :
من كفّ ذات حر في زىّ ذي ذكر * لها محبّان لوطي وزنّاء « 1 »
وفي رواية مثل قولي :
لا تبك ليلى ، ولا تطرب إلى هند * واشرب على الورد من حمراء كالورد « 2 »
فأنت ما تعرف أن تنظم مثله ولا نظمت في عمرك مثله ، فانصرف أبو العتاهية ولم يتكلّم ورأيت في بعض الكتب أنّ عبد اللّه بن المعتزّ بن المتوكّل العباسيّ الّذى هو من أكابر الشّعراء الماهرين كان يقول : أربعة من الشّعراء صارت أسماءهم بخلاف أفعالهم فأبو العتاهية سار شعره بالزّهد وكان على الإلحاد ، وأبو نواس سار شعره باللّواط وكان أزنى من قرد ، وأبو حكيمة الكاتب سار شعره بالعفّة وكان أهبّ من تيس ، ومحمّد بن حازم سار شعره بالقناعة وكان أحرص من كلب « 4 » هذا ، وفي محاضرت الرّاغب قال : قال أبو نواس - لمّا نهاه الأمين عن شرب المدام - :
أعاذل بعت الجهل حيث يباع * وأبرزت رأسي ما عليه قناع
نهاني أمير المؤمنين عن الصّبا * وأمر أمير المؤمنين مطاع
ولهو لتأنيب الإمام تركته * وفيه للاه منظر وسماع « 3 »
قال : وقيل لدهقان ما أصبّك بالخمر ؟ فقال : إنّى رأيت لها أفعالا لم أرها لغيرها إذا رأيت الهمّ تمكّن من قلبي فقرع الكأس الباب خرج الهمّ واخذ ذلك
هامش
( 1 ) ديوانه 6
( 2 ) ديوانه 27
( 3 ) ديوانه 12 ، محاضرات 2 : 683
( 4 ) راجع طبقات ابن المعتز 308