الزهد في الدنيا كما قد حكى لنا من نظائره الكثيرة عن جماعة من السلف الصالحين ، والأولياء المتّقين ، وإن قد يناقش في جواز ذلك بالنسبة إلى غير أمير المؤمنين وإمام المسلمين . لما تظافر عليه المنع البالغ من فحوى الآية والأخبار ، ولا سيّما إذا انجرّ ذلك إلى ذلّ في المؤمن أو دلّ على خساسة في طبعه أو صار من أسباب شهرته بين الناس أو وقوعه في ضيقى الحرج والوسواس .
فإنّ من الوارد في كتاب « الكافي » بالأسناد المتّصل عن مولانا الصادق عليه السّلام أنّه قال لبعض أصحابه : لا تكوننّ دوّارا في الأسواق ، ولا تلى دقائق الأشياء بنفسك .
فإنّه لا ينبغي للمرء المسلم ذي الحسب والدين أن يلي شراء دقائق الأشياء بنفسه ما خلا ثلاثة أشياء : وهي العقار ، والرقيق ، والإبل .
وفي رواية أخرى : باشر كبارا مورك ، وكل ما شفّ منها إلى غيرك .
وفي خبر آخر قال : إنّي لأكره للرجل السري أن يلي شراء شيء دني أو ما أشبه ذلك .
وفي أحاديث كثيرة أيضا : إنّه لا ينبغي للمؤمن أن يذلّ نفسه . إلى غير ذلك من الحجج الباهرة الّتي نخرج بتفصيلها عن وضع هذا الكتاب ، واللّه أعلم بالصواب .
ثمّ إنّ وفاة هذا الشيخ على ما ذكره ابن خلّكان في يوم السبت لخمس خلون من ذي الحجّة سنة ثمان وثلاثين وثلاثمائة ، وكان سبب موته أنّه جلس على درج المقياس على شاطئ النيل ، وهو في أيّام زيادته ، وهو يقطّع بالعروض شيئا من الشعر .
فقال بعض العوام : هذا يسحر النيل حتّى لا نريد فيغلو الأسعار . فدفعه برجله في النيل فلم يوقف له على خبر بعد . هذا .
وممّا يناسب ذكره في مثل هذا الموضع هو أنّ ابن النحّاس علم لرجلين من النحاة :
أحدهما : هذا الشيخ المتقدّم الإمام .
والثاني : محمّد بن إبراهيم بن محمّد بن أبي نصر الإمام أبو عبد اللّه بهاء الدين بن نحّاس شيخ الديار البصريّة في علم اللسان ، وتلميذ الجمال بن عمرون ، والكمال الضرير في العربيّة ، والقراءات ، وأمثال ذلك ، وكان هو من المتأخّرين عن الأوّل بكثير ،
و
روضات الجنات في أحوال العلماء والسادات — صفحة 218
مساهمون: السيد محمد باقر الخوانساري
ص٢١٨