صبياننا لهذا العهد لغاتنا ، فلما جاء الإسلام وفارقوا الحجاز لطلب الملك الذي كان في أيدي الأمم والدول ، وخالطوا العجم ، تغيرت تلك الملكة بما ألقي إليه السمع من المخالفات التي للمتعربين والسمع أبو الملكات اللسانية ففسدت بما ألقي إليها مما يغايرها لجنوحها إليه باعتياد السمع ، وخشي أهل العلوم منهم أن تفسد تلك الملكة رأسا ويطول العهد بها فينغلق القرآن والحديث على الفهوم ، فاستنبطوا من مجاري كلامهم قوانين لتلك الملكة مطردة شبه الكليات والقواعد يقيسون عليها سائر أنواع الكلام ، ويلحقون الأشباه بالأشباه ، مثل إن الفاعل مرفوع ، المفعول منصوب ، والمبتدأ مرفوع .
ثم رأوا تغير الدلالة بتغيير حركات هذه الكلمات فاصطلحوا على تسميته إعرابا وتسمية الموجب لذلك التغير عاملا وأمثال ذلك ، وصارت كلها اصطلاحات خاصة بهم فقيدوها بالكتاب وجعلوها صناعة لهم مخصوصة واصطلحوا على تسميتها بعلم النحو .
وأول من كتب فيها أبو الأسود الدؤلي من بني كنانة ، ويقال بإشارة علي رضي اللّه عنه لأنه رأى تغير الملكة فأشار عليه بحفظها ، ففرغ إلى ضبطها بالقوانين الحاضرة المستقرأة .
ثم كتب فيها الناس من بعده إلى أن انتهت إلى الخليل بن أحمد الفراهيدي أيام الرشيد أحوج ما كان الناس إليها لذهاب تلك الملكة من العرب ، فهذب الصناعة وكمل أبوابها .
وأخذها عنه سيبويه فكمل تفاريعها واستكثر من أدلتها وشواهدها ووضع فيها كتابه المشهور الذي صار إماما لكل ما كتب فيها من بعده .
ثم وضع أبو علي الفارسي وأبو القاسم الزجاج كتبا مختصرة للمتعلمين يحذون فيها حذو الإمام في كتابه .
ثم طال الكلام في هذه الصناعة وحدث الخلاف بين أهلها في الكوفة والبصرة المصريين القديمين للعرب ، وكثرت الأدلة والحجاج بينهم ، وتباينت الطرق في التعليم ، وكثر الاختلاف في إعراب كثير من آي القرآن باختلافهم في تلك القواعد وطال ذلك على المتعلمين .
وجاء المتأخرون بمذاهبهم في الاختصار فاختصروا كثيرا من ذلك الطول مع
أبجد العلوم — صفحة 463
مساهمون: صديق الحسيني القنوجي البخاري
ص٤٦٣