تخطي إلى المحتوى الرئيسي

أبجد العلوم — صفحة 440

مساهمون:

ص٤٤٠
كبير آخر ثم يركب على هذه الزقاق أنابيب لها ثقب على نسب معلومة تخرج منها أصوات طيبة مطربة على حسب استعمال المستعمل ، وكان غرضهم من استخراج قواعد هذا الفن تأنيس الأرواح والنفوس الناطقة إلى عالم القدس ، لا مجرد اللهو والطرب ، فإن النفس قد يظهر فيها باستماع واسطة حسن التأليف وتناسب النغمات بسط فتذكر مصاحبة النفوس العالية ومجاورة العالم العلوي ، وتسمع هذا النداء وهو : ارجعي أيتها النفس الغريقة ، في الأجسام المدلهمة ، في فجور الطبع إلى العقول الروحانية والذخائر النورانية والأماكن القدسية في مقعد صدق عند مليك مقتدر . ومن رجال هذا الفن من صار له يد طولى كعبد المؤمن فإن له فيه شرفية وخواجة عبد القادر بن غيبي الحافظ المراغي له فيه كتب عديدة وقد أطال ابن خلدون في بيان صناعة الغناء فمن شاء فليرجع إليه فإنه بحث نفيس .

علم الموعظة

ويقال علم المواعظ ، وهو علم يعرف به ما هو سبب الانزجار عن المنهيات والانزعاج إلى المأمورات من الأمور الخطابية المناسبة لطباع عامة الناس . ومبادئه الأحاديث المروية عن سيد المرسلين وحكايات العباد والزهاد والصالحين ، وكذا حكايات الأشرار المبتلين بالبليات بسوء أعمالهم وفساد أحوالهم ذكره في مدينة العلوم . قال ابن الجوزي في المنتخب لما كانت المواعظ مندوبا إليها بقوله عزّ وجلّ :
وَذَكِّرْ فَإِنَّ الذِّكْرى تَنْفَعُ الْمُؤْمِنِينَ
وقول النبي صلّى اللّه عليه وسلم لعماله : « تعاهدوا الناس التذكرة » ولأن أدواء القلوب تفتقر إلى أدوية كما تحتاج أمراض البدن إلى معالجة ، ألفت في هذا الفن كتبا تشتمل على أصوله وفروعه ، وكان السلف يقتنعون من المواعظ باليسير من غير تحسين لفظ أو زخرفة نطق ، ومن تأمل مواعظ الحسين بن علي رضي اللّه عنهما وغيره علم ما أشرت إليه ، وكذلك كان الفقهاء في قديم الزمان يتناظرون من غير مفاوضة في تسمية قياس علة أو قياس شبه ، وأرجو أن يكون ما أخذته من الألفاظ والأسامي لا يخرج عن مرضاة الأوائل ، وكذلك ما أخذته عن علماء المذكورين من تحسين لفظ أو تسجيع وعظ لا يخرج عن قانون الجواز ، وما ذاك إلا بمثابة جمع القرآن الذي ابتدأ به أبو بكر رضي اللّه عنه وثنى به عثمان ، وجمع عمر الناس على