ثم قال : قد رميته فتلقاه ورميته بآخر فتلقاه وسأرميه بثالث فإن تلقاه فقد أعطي مثل ما أعطيت ، وأطرق ساعة ثم قال : قد مات فأسرعوا إليه ، فوجدوه كما قال ميتا في داره ، وأنا ممن صليت عليه .
وروي أنه سمع رجلا يترنم بالشعر والمؤذن يؤذن . فأمره بالسكوت فلم يسكت ، فقال له : أسكت ولا تتكلم حتى آمرك ، فاخرس الرجل ولم يستطع نطقا ، ومكث كذلك ثلاثة أيام حتى جاء إلى الشيخ واستغفر ، فقال له اذهب وتوضأ ، ففعل ، فتكلم .
وحكى بعض الصلحاء قال : كنت بين يديه يوما وبيده مكحلة ومرود يكتحل به ، فسألته أن يكحلني بيده فكحلني ، فكشف لي عن أمور جليلة ، ونظرت من الفرش إلى العرش .
وكان إذا أقعد مريدا في خلوة وينزله كل يوم منزلا من منازل الطريق ويخبره بها وبجميع أحكامها قبل أن يجدها ذلك المريد ، ثم لا يزال يرقيه درجة بعد درجة حتى يقول له غدا تنال مرادك ، فإذا انتهى إلى مقام الوصول قال له : ها أنت وربك .
وروي عن ابنه الشيخ أبي جعفر عمر ، وكان بعد وفاة أبيه زوجه الشيخ محي الدين عبد القادر الجيلاني ببنته كما في البهجة إنه قال خرج والدي يوم الجمعة من داره ليركب بغلته ويذهب إلى صلاة الجمعة ، فوضع رجله في الركاب ، ثم نزعها منه ووقف على الأرض ساعة ، ثم ركب وانصرف ، فلما انقضت الجمعة سألته عن سبب ذلك فقال : كان الشيخ عبد القادر يريد أن يركب بغلته في ذلك الوقت ببغداد وينصرف إلى الجامع فأردت أن لا أتقدم عليه في الركوب أدبا معه ، فإنه قدمه الله تعالى على أهل زمانه .
سكن الشيخ عبد الرحمن المذكور بطفسونج « 1 » - بلدة بأرض العراق -
هامش
( 1 ) كذا في الأصل وفي بهجة الأسرار ، وفي معجم البلدان ( طسفونج ) بتقديم السين على الفاء ، قال : قرية كبيرة في شرقي دجلة مقابل النعمانية بين بغداد وواسط ، معجم البلدان 4 / 35 .