الشيخ علي بن الهيتي لمريده الشيخ علي بن إدريس « 1 » ، ثم فقدتا من بعده ، وهو الذي أتاه الخطاب : يا نهر ملكي تصرّف في ملكي ، واشتهر أنه مكث ثمانين سنة ليس له خلوة ولا معزل ، بل ينام مع الفقراء ، لأن فتحه أتاه من طريق الوهب . وكان الشيخ عبد القادر الجيلاني قدس سره يثني عليه كثيرا ويحترمه ، وكان يقول : كل من دخل بغداد من الأولياء من عالم الغيب والشهادة فهو في ضيافتنا ونحن في ضيافة الشيخ علي بن الهيتي ، وقال أيضا : انفتق رتق قلب علي بن الهيتي وعمره سبع سنين ، وانتهت إليه رئاسة هذا الشأن في تربية المريدين وكشف مشكلات الأموال ومنازلات الموارد بأعمال نهر الملك ، وما يليها ، وتخرج بصحبته غير واحد مثل الشيخ أبي محمد علي بن إدريس اليعقوبي ، وكان شيخه تاج العارفين يثني عليه كثيرا ويقدمه على غيره ، وبعث معه طاقية إلى الشيخ جاكير وأمره أن يضعها على رأسه ، فأقامه مقام نفسه ، وكان له كلام نفيس على لسان أهل التحقيق منه ( الشريعة ما ورد به التكليف ، والحقيقة ما حصل به التعريف ، فالشريعة مؤيدة بالحقيقة ، والحقيقة مقيدة بالشريعة ، والشريعة وجود الأفعال لله عزّ وجل ، والقيام بشروط العلم بواسطة الرسل ، والحقيقة شهود الأحوال بالله والاستلام لطلبات الحكم بتقرير لا بواسطة ، ومنه : ما دام التمييز باقيا ، كان التكليف متوجها .
ومنه : علامة صحة الحال أن يكون صاحبه محفوظا في حال غلبته ، كما كان مغلوبا في أوقات صحوه ، والباقي بربه ، هو من تحقق بحقوقه وتمخض في دوام شهوده ، والأحوال كالبروق لا يمكن استجلابها إذا لم تكن ولا استبقائها إذا حصلت إلا أن يجعل بعض الأحوال غذاء لأحد فيريبه الحق فيه فيصير وطنا له ومثوى .
وكان قدس سره يتمثل كثيرا بهذه الأبيات :
إن رحت أطلبه لا ينقضي سفري * أو جئت أحضره أوحشت في الحضر
هامش
( 1 ) علي بن إدريس ، ستأتي ترجمته فيما بعد .