ويبالغ في إكرامه لتقدمه وسيادته ، قال له إليّ يا أبا بحر ، فتقدم إليه فأجلسه معه على مرتبته وأقبل إليه يسأله عن حاله ويحادثه وأعرض عن بقيّة الجماعة ، ثم إن أهل العراق أخذوا في الشكر من عبيد الله والثناء عليه والأحنف ساكت ، فقال له معاوية : لم لا تتكلم يا أبا بحر ؟ فقال ان تكلمت خالفتهم : فقال لهم معاوية : أشهدوا اني قد عزلت عبيد الله عنكم ، قوموا وانظروا إلى أمير أوليه عليكم ، وترجعون إليّ بعد ثلاثة أيام ، فلما خرجوا من عنده وكان فيهم جماعة يطلبون الأمارة لأنفسهم وفيهم من عيّن غيره ، وسعوا في السرّ من خواص معاوية أن يفعل لهم ذلك ، ثم اجتمعوا بعد انقضاء الثلاثة كما قال معاوية والأحنف معهم حتى دخلوا عليه ، فأجلسهم على ترتيبهم في المجلس الأول ، وأخذ الأحنف إليه كما فعله أولا وحادثه ساعة ثم قال : ما فعلتم فيما انفصلتم عليه ؟ فجعل كل واحد يذكر شخصا ، وطال حديثهم في ذلك وأفضى إلى منازعة وجدال ، والأحنف ساكت ولم يكن في الأيام الثلاثة تحدث مع أحد في شيء ، فقال له معاوية : لم لا تتكلم يا أبا بحر ؟ فقال الأحنف : ان وليت أحدا من أهل بيتك لم تجد من يعدل عدل عبيد الله ولا يسدّ مسدّه ، وان وليت من غيرهم فذلك إلى رأيك ، ولم يكن في الحاضرين الذين بالغوا في المجلس الأول في الثناء على عبيد الله من ذكره في هذا المجلس ولا سأل عوده ، فلما سمع معاوية مقالة الأحنف قال للجماعة : اشهدوا عليّ اني أعدت عبيد الله إلى ولايته ، فكل منهم ندم على ( عدم ) « 1 » تعيينه ، وعلم معاوية ان شكرهم لعبيد الله ( لم يكن ) « 2 » لرغبتهم فيه ، بل كما جرت العادة في حق المتولي ، فلما فصل الجماعة من مجلس معاوية ، خلا بعبيد الله وقال :
كيف ضيعت مثل هذا الرجل - يعني الأحنف - فإنه عزلك وأعادك إلى الولاية وهو ساكت ، وهؤلاء الذين قدمتهم عليه واعتمدت عليهم لم ينفعوك ولا عرجوا عليك لما فوضت الأمر إلى نظرهم ، فمثل الأحنف من يتخذه
هامش
( 1 ) ليست في الأصل ، والتكلم عن الوفيات 2 / 504 .
( 2 ) ليست في الأصل ، والتكملة عن الوفيات 2 / 504 .