المسوحي ، رآني بشر بن الحارث يوما باردا وأنا أرتعد من البرد فنظر إلي وأنشد يقول :
قطع الليالي مع الأيام في خلق * والنوم تحت رواق الهمّ والقلق
أحرى وأعذب « 1 » من أن يقال غدا * إني التمست الغنى من كف مختلق
قالوا رضيت بذا ؟ قلت القنوع غني * ليس الغنى كثرة الأموال والورق
رضيت بالله في عسري وفي يسري * فلست أسلك إلا واضح الطرق
ونقل عنه أنه قال : دخلت الدار يوما فإذا أنا برجل ، فقلت له : من أنت ؟ دخلت بغير أذني ، فقال : أخوك الخضر ، فقلت : أدع الله تعالى ، فقال : هون الله عليك طاعته ، فقلت : زدني ، فقال : وسترها عليك .
وحكي عنه أيضا أنه قال : كان لي حجرة أغلقها إذا خرجت ، وآخذ المفتاح معي ، فجئت ذات يوم وفتحت الباب ، ودخلت الحجرة ، فإذا شخص طويل قائم يصلي ، فراعني لأن المفتاح كان معي فسلم من صلاته ثم قال : يا بشر لا تفزع أنا أخوك الخضر ، قال بشر : فقلت له علمني إذن شيئا ينفعني الله تعالى به ، فقال : قل أستغفر الله عزّ وجل من كل سبب تبت منه ثم عدت فيه ، واسأله التوبة واستغفر الله العظيم من كل عقد عقدته لله تعالى على نفسي ففسخته ولم أوف به ، واسأله التوبة ، واستغفر الله العظيم من كل نعمة أنعمت بها علي في طول عمري واستعنت بها على معاصيك ومخالفتك . وأسألك العصمة والحمية من ذلك .
وقال عباس بن دهقان : كنت عند بشر بن الحارث وهو يتكلم في الرضا والتسليم فقال له رجل من المتصوفة يا أبا نصر امتنعت من أخذ البر من أيدي الخلق لإقامة الجاه ، فإن كنت متحققا بالزهد منصرفا عن الدنيا فخذ من أيديهم لينمحي جاهك عندهم واخرج بما يعطونك إلى الفقراء ، وفرق عليهم وكن بعقد التوكل تأخذ قوتك من الغيب ، فاشتدّ ذلك على
هامش
( 1 ) الخبر والأبيات في طبقات السلمي ص 44 وفيه أحرى وأجدر وفي الأصل أن يقال لي غدا .