وقال عقيب هذه الأبيات : كل الطيور تقول ولا تفعل ، والبازي يفعل ولا يقول ، ولأجل هذا صار كفّ الملوك سدّته ، فقام إليه الشيخ المعمر أبو المظفر منصور بن المبارك ابن المفضل الواسطي المعروف بجرادة وأنشأ يقول :
بك الشهور تهنا والمواقيت * يا من بألفاظه تغلو اليواقيت
الباز أنت فإن تفخر فلا عجب * وسائر الناس في عيني فواخيت
أشمّ من قدميك الصدق مجتهدا * لأنها قدم في نعله « 1 » الصيت
قلت : وقيل له الباز والباز الأشهب لما كان يمشي ويطير على رؤوس الأشهاد كما رواه الشيخ أبو القسم عمر بن مسعود البزاز والشيخ أبو حفص عمر الكميماني على ما في البهجة ، وذكر في البهجة أيضا أنه قيل الشيخ عقيل المنبجي أول من أخبر عن الشيخ عبد القادر بالباز الأشهب فإنه لما قيل له قد اشتهر ببغداد شاب أعجمي شريف اسمه عبد القادر قال أمره في السماء أشهر منه في الأرض وذلك الفتى العلي المدعو في الملكوت بالباز الأشهب ، وسينفرد في وقته ، وسيرد إليه الأمر ويصدر عنه في عصره .
هذا وأما كراماته ، فقد قال الشيخ علي بن الهيتي ما رأيت في زماني أكثر من كرامات الشيخ عبد القادر كان لا يشاء أحد أن ينظر كرامة منه في أي وقت شاء إلا رآها ، وكانت الخارقة تظهر أحيانا منه وأحيانا به وأحيانا فيه ، ومن باهر كراماته وخوارق عاداته ما أخبر به الشيخ أبو الحسن القرشي قال : كنت أنا والشيخ أبو الحسن علي بن الهيتي عند الشيخ عبد القادر بمدرسته بباب الأزج ، فجاءه أبو غالب فضل الله بن إسماعيل البغدادي الأزجي ، التاجر فقال له : يا سيدي ، قال جدك رسول الله صلّى الله عليه وسلم ، من دعي فليجب ، وهل أنا قد دعوتك إلى منزلي ، فقال :
إن أذن لي جئت ، ثم أطرق مليا ، ثم قال : نعم ، فركب بغلته وأخذ الشيخ علي بركابه الأيمن ، وأخذت أنا بالأيسر ، فأتينا داره ، وإذا فيها مشايخ
هامش
( 1 ) في الأصل : ( في نعلها ) والتصويب عن بهجة المجالس .