ووضع يده على عتبة بابه قال : إن يمت هذا الفتى فليموتن معه علم كثير ، فإنه أعلم من عليها وأومى إلى الأرض ، قلت : وهذا الكلام من الإمام ولعله بلغه صار سببا لإعجابه بنفسه وانقطاعه عن حلقة الإمام ومجلس درسه ، فانفرد وعقد مجلسا وجلس للتدريس والإملاء ، فأرسل إليه أبو حنيفة رجلا يسأله عن خمسة مسائل للامتحان والابتلاء ، وعلّم الرجل الأسئلة وأجوبتها وهي شهيرة في كتب الفقه فراجع إن شئت الاطلاع عليها وأخطأ فيها الإمام أبو يوسف كلها فعرف تقصيره ورجع إلى أبي حنيفة وقال زبّبت قبل أن تحصرم ، هذا ولكن قال صاحب الأشباه في الفن السابع وفي مناقب الكردي أن سبب انفراده أنه مرض مرضا شديدا فعاده الإمام وقال لقد كنت أؤملك بعدي للمسلمين لئن أصبت ليموتن علم كثير ، فلما رأى أعجب بنفسه وعقد له مجلس الأمالي ، وقال له حين جاء ، ما جاء بك إلا مسألة القصار سبحان الله من رجل يتكلم في دين الله ويعقد مجلسا لا يحسن مسألة في الإجارة ، ثم قال من ظن أن يستغني عن التعلم فليبك على نفسه ، انتهى ، ونقل عن أبي يوسف أنه قال سألني الأعمش « 1 » عن مسألة فأجبته فيها ، فقال لي من أين أخذت هذا ؟ فقال : من حديثك الذي حدثتني به ، ثم ذكرت له الحديث ، فقال لي يا يعقوب إني لأحفظ هذا الحديث قبل أن يجتمع أبواك وما عرفت تأويله إلى الآن ، وقال حماد بن أبي حنيفة كان أبو حنيفة جالسا يوما وعن يمينه أبو سف وعن يساره زفر وهما يتجادلان في مسألة ، فلا يقول أبو يوسف قولا إلا أفسده زفر ، ولا يقول زفر قولا إلا أفسده أبو يوسف إلى أن دخل وقت الظهر وأذن المؤذن فرفع أبو حنيفة يده وضرب بها فخذ زفر فقال : لا تطمع برياسة بلدة فيها أبو يوسف ، وقضى لأبي يوسف على زفر .
قال ظاهر بن أحمد الزبيري كان يجلس عند أبي يوسف رجل يطيل الصمت ولا يتكلم إلا ما قل ، فقال له أبو يوسف ألا تتكلم ؟ فقال : بلى ،
هامش
( 1 ) الأعمش : سليمان بن مهران الأسدي بالولاء ، تابعي من مشاهير المحدثين العلماء توفى في الكوفة سنة 148 ه ( طبقات ابن سعد 6 / 338 ) .