مفتوحة ثم كاف ، بلدة بين واسط وبغداد على شاطئ دجلة ، فبلغه خروج الرشيد إلى البصرة ومعه القاضي أبو يوسف في الحراقة ، فقال عبد الرحمن القاضي لأهل المبارك أثنوا عليّ عند أمير المؤمنين وعند القاضي أبي يوسف ، فأبوا عليه ذلك ، فلبس ثيابه وقلنسوة طويلة وطيلسانا أسود ، وجاء إلى الشريعة ، فلما أقبلت الحراقة رفع صوته وقال : يا أمير المؤمنين نعم القاضي قاضيا قاضي صدق ، ثم مضى إلى شريعة أخرى وقال مثل مقالته الأولى ، فالتفت هارون إلى أبي يوسف وقال : يا يعقوب هذا شرّ قاض في الأرض ، قاضي في موضع لا يثني عليه إلا رجل واحد ، فقال له أبو يوسف ، وأعجب من هذا يا أمير المؤمنين أنه هو القاضي يثني على نفسه ، فضحك هارون الرشيد وقال : هذا أظرف الناس ، ومثله لا يعزل ، ومن كلامه : رحمه الله على ما ذكره كمال الدميري في حياة الحيوان « 1 » : من طلب غرائب الحديث كذب ، ومن طلب الكيمياء بالمال افتقر ، ومن طلب الدين بالكلام تزندق .
ومنه : صحبة من لا يخشى العار عار يوم القيامة ، ومنه رؤوس النعم ثلاثة : نعمة الإسلام التي لا تتم نعمة إلا بها ، والثانية نعمة العافية ، التي لا تطيب الجبلّة إلا بها ، والثالثة : نعمة الغنى التي لا يتم العيش إلا بها .
هذا وأخباره كثيرة ومناقبه جليلة شهيرة ، وتوفى في بغداد يوم الخميس وقت الظهر لخمس خلون من شهر ربيع الأول سنة اثنتين وثمانين ومائة ، وولي القضاء أربعة عشر سنة ، ومات وهو على القضاء ومدفنه فيها في مقابر الشونيزية ، جوار موسى الكاظم باتفاق أهل العراق ، قلت ولم أطلع على تاريخ مولده ، ولكن رأيت على هامش بعض الكتب أن وفاته سنة اثنتين وثمانين ومائة وإنه عاش قريبا من سبعين سنة فيقتضي أن يكون مولده سنة مائة وعشر تقريبا والله أعلم .
وما بني على قبره قديما أشرف على الاندراس بمرور الأيام والأزمنة
هامش
( 1 ) الدميري : حياة الحيوان الكبرى 2 / 669 .