الآخر هارون الرشيد ، وكان الرشيد يكرمه ويبجله وكان له عنده أعلى منزلة ومكانة ، وهو أول من دعي بقاضي القضاة ، ويقال أنه أول من غير لباس العلماء إلى هذه الهيئة التي هي عليها في هذا الزمان ، وكان ملبوس الناس قبل ذلك شيئا واحدا لا يتميز أحد عن أحد بلباسه وذكر ابن عمر بن عبد البر صاحب كتاب الاستيعاب في كتابه الذي سماه الانتقاء « 1 » في فضائل الثلاثة الفقهاء أن أبا يوسف المذكور كان حافظا وإنه كان يحضر المحدثين ويحفظ الخمسين والستين حديثا ثم يقوم فيمليها على الناس ، وكان كثير الحديث ، وقال محمد بن جرير الطبري : وتحامى عن حديثه قوم من أهل الحديث من أجل غلبة الرأي عليه وتفريعه الفروع والأحكام مع صحبة السلطان وتقلده القضاء ، وحكى أبو بكر الخطيب البغدادي في تاريخ بغداد « 2 » : أن أبا يوسف قال : كنت أطلب الحديث والفقه وأنا مقلّ رث الحال ، فجاء أبي يوما وأنا عند أبي حنيفة فقال : يا بني لا تمد رجلك مع رجل أبي حنيفة فإن أبا حنيفة خبزه مشوي ، وأنت تحتاج إلى المعاش فقصرت عن كثير من الطلب وآثرت طاعة أبي ، فتفقدني أبو حنيفة وسأل عني ، فجعلت أمضي إليه ، فقال لي أول يوم أتيته بعد تأخري عنه ، ما شغلك عنا ؟ قلت : الشغل بالمعاش وطاعة والدي ، فجلست ، فلما انصرف الناس دفع إلي صرة وقال : استمتع بها فنظرت فإذا هي مائة درهم ، وقال لي الزم الحلقة وإذا نفدت هذه فأعلمني ، فلزمت الحلقة فلما مضت مدة يسيرة دفع إلي مائة درهم أخرى ثم كان يتعاهدني وما أعلمته بخله قط ولا أخبرته بنفاد شيء ، وكأنه كان يخبر بنفاد ما عندي ، حتى استغنيت وتموّلت ، ثم قال وحكي أن والد أبي يوسف مات وخلف أبا يوسف طفلا صغيرا وإن أمه هي التي أنكرت عليه حضوره حلقة أبي حنيفة ، ثم روى الخطيب أيضا بإسناد متصل إلى علي بن الجعد قال : أخبرني أبو يوسف القاضي ، قال توفى أبي وخلفني صغيرا في حجر أمي ، فأسلمتني إلى قصار
هامش
( 1 ) الانتقاء في فضل الثلاثة الفقهاء ص 172 .
( 2 ) تاريخ بغداد 14 / 244 .