أخدمه ، فكنت أدع القصار وأمرّ إلى حلقة أبي حنيفة ، فأجلس أستمع ، فكانت أمي تجيء خلفي إلى الحلقة فتأخذني فتذهب بي إلى القصار ، وكان أبو حنيفة يعنى بي لما يرى من حضوري وحرصي على التعلّم ، فلما كثر ذلك على أمي وطال عليها هربي ، قالت لأبي حنيفة : ما يفسد هذا الصبي غيرك ، هذا صبي يتيم لا شيء له وأنا أطعمه من مغزلي وآمل أن يكسب دانقا يعود به على نفسه ، فقال : مرّي يا رعناء ها هو يتعلم أكل الفالوذج بدهن الفستق فانصرفت عنه وقالت له : أنت شيخ قد خرفت وذهب عقلك ، ثم لزمته فنفعني الله بالعلم ورفعني حتى تقلدت القضاء ، وكنت أجالس الرشيد وآكل معه على مائدته ، فلما كان في بعض الأيام قدم إلى هارون الرشيد فالوذجا فقال لي يا يعقوب كل منه فليس كل يوم يعمل لنا مثلها ، فقلت : وما هذه يا أمير المؤمنين ؟ فقال هذه فالوذجة بدهن الفستق ، فضحكت فقال لي وما يضحكك ؟ فقلت : خيرا ، أبقى الله أمير المؤمنين ، قال لتخبرني ، فأخبرته بالقصة من أولها إلى آخرها ، فعجب من ذلك ، وقال لعمري إن العلم ينفع دينا ودنيا ، وترحم على أبي حنيفة ، وقال كان يرى بعين عقله ما لا يرى بعين رأسه .
وقال طلحة بن محمد بن جعفر « 1 » أن أبا يوسف مشهور الأمر ظاهر الفضل ، وهو صاحب أبي حنيفة ، فاق أهل عصره ولم يتقدمه أحد في زمانه ، وكان النهاية في العلم والحكمة والرياسة والقدر ، وهو أول من وضع الكتب في أصول الفقه على مذهب أبي حنيفة وأملى الرسائل ونشرها وبث علم أبي حنيفة في أقطار الأرض ، وقال عمار بن أبي مالك ، ما كان في أصحاب أبي حنيفة كمثل أبي يوسف ، لولا أبو يوسف ما ذكر أبو حنيفة ولا محمد بن أبي ليلى ، لكنه هو الذي نشر قولهما وبث علمهما ، وقال محمد بن الحسن صاحب أبي حنيفة ، مرض أبو يوسف زمن أبي حنيفة مرضا خيف منه ، فعاده أبو حنيفة ونحن معه ، فلما خرج من عنده
هامش
( 1 ) طلحة بن محمد بن جعفر الشاهد ، مؤرخ من أهل بغداد ، محدث ، له ( أخبار القضاة ) توفي سنة 380 ه ( الاعلام 3 / 229 ) .