فقلت لها حتى ترى الطهر الأبيض كباطن التفاحة ، وروي أن رجلين دخلا الحمام يغتسلان ، وقد أودعا عند الحمامي دراهم ، ثم خرج أحدهما ولبس ثيابه وأخذ الدراهم من الحمامي وذهب ثم خرج الآخر ولبس ثيابه وادعى الدراهم ، فتحيّر الحمامي ولم يدر ما يصنعه ، فأتى إلى أبي حنيفة وقص عليه القصة ، فقال له ، قل له أنت وصاحبك قد أودعتماني الدراهم ، فلا بد من إحضاره حتى أسلمكما إياها ، فرجع وقال له ذلك ، فبهت ومضى وقوع أمثال ذلك أكثر من أن يحصى ، ومناقبه وفضائله أجل من أن تستقصى واشتهر أن الفقه الأكبر ورساله في الصرف شهيرة بالمقصد للإمام أبي حنيفة ، وأنكره كثيرون والله أعلم ، كان رضي الله عنه حسن الخلق والوجه ، مربوع القامة ، حسن اللحية ، حسن الثياب ، محمود الآداب ، طلق اللسان ، سريع البيان ، كثير الكرم والمواساة لإخوانه ، طيب الرائحة ، كان يعرف بطيب الريح إذا أقبل وإذا خرج من داره ، وكان رضي الله عنه يقول : ما صليت قط إلا ودعوت لشيخي حماد ، وكان رضي الله عنه تعالى لا يجلس في ظل جدار غريمه ، ويقول كل قرض جرّ نفعا فهو ربا ، وأكره رضي الله عنه على تولية القضاء وضرب على رأسه ضربا شديدا أيام مروان فلم يل ولما أطلق [ قال ] كان غم والدتي أشد عليّ من الضرب ، وكان الإمام أحمد بن حنبل رضي الله عنه إذا ذكر ذلك بكى وترحم عليه ، ثم أكرهه أبو جعفر المنصور بعد ذلك وأشخصه من الكوفة فأبى وقال لا أكون قاضيا فحبسه وتوفي في السجن ، وأخرجه المنصور مرات من الحبس ، ويتوعده وهو يقول : يا منصور اتق الله تعالى ولا تول إلا من يخاف الله تعالى ، والله ما أنا مأمون في الرضا فكيف أكون مأمونا في الغضب ، ويقال أنه تولى القضاء يومين وثلاثة ثم مرض ستة أيام ثم مات ، وقال ابن الجوزي رحمه الله ، دعا المنصور أبا حنيفة والثوري ومسعر وشريكا ليوليهم القضاء ، فقال أبو حنيفة : أخمن فيكم تخمينا ، أما أنا فأحتال وأتخلص ، وأما مسعر فيتحامق ويتخلص وأما سفيان فيهرب ، وأما شريكا فيقع ، وكان الأمر كما قال ، فأما احتيال أبي حنيفة فقيل أنه قال
جامع الأنوار في مناقب الأخيار — صفحة 142
مساهمون: عيسى البندنيجي القادري
ص١٤٢