فطعامهم بعد النفائس أنفس * وشرابهم بعد الزّلال دماء
ووجوههم مصفرّة ممّا بهم * وكذا تنفّسهم هو الصّعداء
ما بالهم يبغون سوءا للذي * بالجود منه تذهب الأسواء
ما بالهم يبغون غما للذي * بندى يديه تخضّب الأرجاء
يكفي الحسود بأن سحنة وجهه * بين الخلائق غمّة سوداء
هل يستوي صبح وليل أليل * والدّر ليس كمثله الحصباء
يا أكمل الرؤساء لا مستثنيا * أحدا إذا ما عدت الرؤساء
يكفيك يا عين الأماجد والعلا * حمد ومدح رفعة وعلاء
قد أجمع العقلاء أنّك أوحد * وسواك يا روح العلا غوغاء
لا رأي يلفى مثل رأيك صحّة * منه استضاءت في الورى آراء
ما كل من ولي المناصب ماجد * كلّا ولا كل الشموس ذكاء
ضاقت صدور بني المراتب بالذي * قد أودعوه وصدرك الدهناء
أنت الصّباح لنا وغيرك عندنا * ليل وغرة وجهك اللألاء
ولأنت في سعد السّعود لدى المدى * والضدّ في وادي العنا عوّاء
غلبت طباعك كل طبع مائل * وتباعدت عن عرضك الأسواء
في اللّه لم تأخذك لومة لائم * كلا ولا مالت بك الأهواء
لك نعمة عند الورى خضراء * ويد لعفّة كفها بيضاء
سدت الأنام بها بغير مشارك * والناس فيما دونها شركاء
بل سدتهم من كل وجه لا كمن * قد سوّدته بيننا الصفراء
قد أطبق الإجماع أنك وجهة * قد قلّدتها السادة الحنفاء
شهدت لك الأعدا بفضل زائد * والفضل ما شهدت به الأعداء
وإليك يا بحر النّوال عروسة * عذراء زفّت بالثنا وطفاء
وفدت تقنع رأسها بردائها * خجلا ويعلو وجهها استحياء
وقفت بباب الفتح إن يك منعما * بقبولها زادت لها النعماء
إن أبطأت عن لثم كفك لا تقل * يكفي الذي قد خلّف الإبطاء
واقبل لنائية الديار مسامحا * فأخو النباهة دأبه الإغضاء
لا زلت في مجد وسعد دائما * ما نقّطت وجه الرّبا الأنواء
سلك الدرر في أعيان القرن الثاني عشر — صفحة 99
مساهمون: أكرم حسن العلبي
ص٩٩