يتغيّر عن كرمه وترحيبه وإسعافه الوراد والقصاد وعن طريقته في ذلك . ولم يزل رئيسا معتبرا إلى أن مات .
وكانت وفاته في يوم الأربعاء ثاني شهر ذي القعدة سنة ثمان وثمانين ومائة وألف .
وسيأتي ذكر والده . رحمه اللّه تعالى .
عبد اللطيف الزوائدي « 1 » - 1132 ه
عبد اللطيف بن عبد القادر الزوائدي الشافعي الحلبي ، خطيب جامع الخسروية بحلب .
كان ملازما خدمة العلّامة صدر حلب ، أحمد الكواكبي ، ولمّا ولي قضاء طرابلس أخذه صحبته وجعله قسّاما « 2 » ، فأساء السيرة فعزله . فقدم حلب ولازم خدمة والده العالم المولى أبي السعود الكواكبي ، فلمّا صار مفتيا جعله أمين الفتوى شركة مع الشيخ إبراهيم البخشي .
وكان حفظ القرآن أوّلا على الشيخ عامر المصري نزيل الحلاوية ، وقرأ التفسير على الكواكبي أحمد المذكور ، والفقه على الشيخ مصطفى الحفسرجاوي ، والعربية والصرف على الشيخ سليمان النحوي . وكان فقيها حافظا ، ذا صوت حسن شجي ، خطّاطا . وقلّ أن تجتمع هذه المحاسن في عالم .
وكان أبوه عاميّا فقيرا صبّاغا . نشأ المترجم في الفقر الحالك المهلك ، وكان يحثّ مخاديم أصحابه على اكتساب الكمالات ويخبرهم عن نفسه أنّه كان فقيرا جدّا لا يملك شيئا وأنّه من احتياجه لا تصل يده إلى شراء ورق لتعلّم الكتابة . فكان يأخذ ألواح الغنم من عند القصّاب ويفركها بالرماد لتزول الزهومة منها ويكتب عليها ، ويأخذ أوراق البنّ فيلصقها ويصقلها ويتعلّم الكتابة بها فحسن خطّه ، وصار ينسخ بالأجرة ، ويأخذ على الكراس الربعي قرشا لجودة خطّه واتّساق سطوره ، فانتعش حاله . ثم ارتحل من محلّته إلى محلّة باحسيتا وسكن في جوار بقيّة الكرام الشيخ أحمد العلبي ، فاعتنى به وأسكنه دارا من دوره وزوّجه .
ثم انحلّت خطابة القرمانيّة « 3 » ، فوجّهها إليه مع الإمامة ، لكون تولية جامع القرمانيّة مشروطة على بني العلبي . واستقام حاله وقطن في حجرة داخل الجامع المذكور ، يقرئ وينسخ ولازم صحبة العلبي المذكور وصار لا يكاد أن يفارقه .
فإنّ المترجم كان خفيف الروح ، دمث الأخلاق ، مزّاحا ، صغير الجثّة جدّا ، بحيث إنّه كان إذا وقف في المنبر لا يرى منه سوى العمامة ، فاستقام بجوار المذكور إلى أن مات .
فارتحل المترجم إلى محلّته الأصلية ثم انحلّت خطابة الخسروية ، فوجّهها له العلّامة أبو
هامش
( 1 ) إعلام النّبلاء 6 / 430 .
( 2 ) يقسم التركات .
( 3 ) جامع القرمانية ، أنشأه إبراهيم القرماني ، تجاه حمّام التلّ ، وفيه عدّة قبور لآل العلبي . نهر الذهب 2 / 163 .