ولمّا قدّر اللّه تعالى على الحجّاج ما قدّر من نهبهم وما جرى عليهم في زمن الوزير حسين باشا بن مكّي الغزي « 1 » ، وردت الحجّاج من كلّ فج إليه ، مشلّحين بلا زاد ولا رداء ، أفواجا وأفرادا ، فكان يتلقّاهم بصدر رحيب ، ويوسع لهم الحباء ويمنحهم التقريب . وهو يكسو العاري ويطعم الجائع .
وأرفدهم بذلك بمزيد الاجتهاد من الإكرام . وكان نزيل ساحته ومسافره إذ ذاك الفاضل الأديب الشيخ محمّد أبا النصر الطرابلسي ، فقال يمدحه حاكيا هذه القضية بقوله :
بشراك بالإسعاف والإسعاد * والعزّ والإقبال والإمداد
يا سيّدا قد حاز كلّ فضيلة * يا كوكبا لذوي الحوائج هادي
مولاي بل مولى الأنام لطائفا * أحرزتها من غير ما ميعاد
قد قمت للّه العلي جلاله * حقّ القيام على مدى الآماد
ومنحت وفد اللّه خير منائح * وحبوتهم وشفيت غلّة صادي
ورحمت رغبتهم بأنس زائد * وأزلت عنهم وحشة الإبعاد
وأنلتهم لأجلّ ما قد أمّلوا * فأغثتهم يا مأمل القصّاد
فغدوا وكلّ شاكر لك حامد * مثن عليك وقد منحت أيادي
لكم لقد رفعوا أكفّا بالدعا * يا ربّنا كن عونه يا هادي
وأعذه يا ربّاه من شرّ العدا * واكفه شرار الخلق والحسّاد
فاشكر على ما قد رزقت من العطا * فالشكر للنعماء أفضل زاد
واعلم بأنّك قد بلغت مطالبا * من غير ما عزم ولا استعداد
فأبشر وطب واهنأ بعزّ شامخ * لا زلت تمنح غاديا مع بادي
وارق العلا أبدا على رغم العدا * مع سائر الأحباب والأولاد
ما غرّدت قمريّة في دوحها * تشدو فتطرب رائحا مع غادي
وامتدح بقصائد وأبيات كثيرة . وممّن امتدحه الشيخ سعيد بن محمّد السمّان الدمشقي .
فقال من قصيدة يهنّئه فيها بزفاف ولديه ، ومطلعها :
إنّ المعالي والسيادة والمنن * والمجد والإجلال والخلق الحسن
نيطت بآل البيت من سادوا الورى * شرفا وشادوا في العلا أقوى سنن
هامش
( 1 ) كان ذلك في المحرم سنة 1171 ه ، واتّهم أسعد باشا العظم بتدبير هذه المذابح لتعيده الدولة إلى ولاية دمشق .
انظر تفصيل الحادثة في يوميّات البديري ص 206 وما بعد .