كيف يميل . لم تزل نفحاته تتعطّر ، ورشحات أقلامه تتقطّر ، فيروّح النفوس بكلماته ، تروّح الروض مجاري الأنفاس بنسماته . وهو يقتنص الشوارد حيث يطاردها ، ويستخرج الدرر الفرائد حين يواردها . بطبع متدفّق المذانب ، وفكر يفلّ بحدسه المقانب « 1 » . نبه في عصره بشرب اليراعة ، وتنبّل حتى أحرز وصف الفروسيّة والبراعة . فذراعه حبل لكلّ مصيد ، ومهما أحسّ بفائدة فله أذن سميع والتفات رصيد . ففضّ عن فم الأماني ختما ، ونال توجّه القلوب إليه بالرغبة حتما . فما يشقّ غباره في حومة معاديه ، سوى قذى أسارير في أعين أعاديه . وله آثار يدلّ عليها مع بيانه بنانه ، كما قيل : يدلّ على الجواد عنانه . أتيتك منها بما رقّ لفظه ومعناه ، فلهذا تقترحه النفوس وتتمنّاه . انتهى مقاله .
ومن شعره قوله من قصيدة مطلعها :
أمن قطرات الطلّ جسمك أم أصفى * فقد كادت الألحاظ ترشفه رشفا
هتكت الورى فاردد لثامك علّ ما * تبدّى من الثغر الشنيب لنا يخفى
وكفّ سهام اللحظ عن قلبي الذي * أذيب هوى مذ شام أجفانك الوطفا
وعطفا على حالي وحقّك إنّني * عرفت الهوى لما ثنيت له العطفا
جعلنا فدا تلك اللحاظ فكم بها * رأينا فتى لاقى الصّبابة والحتفا
ويا ذا الذي واخى الرقاد جفونه * تهنّ فطرفي فيك قد حارب الإغفا
إلى كم أقاسي كلّما شمت بارقا * من الغور نيرانا من الوجد لا تطفى
شكوت فهل من رحمة لمتيّم * يعضّ من الشكوى أنامله لهفا
زجرت المطايا حين مالت عن الحمى * سحيرا ولم تشتمّ من طيبه عرفا
وقلت : إلى من في مسيرك تقصدي * فقالت : بربّ المجد والمورد الأصفى
سليل الكرام الصّيد حقّا ومن له * محامد لا تحصى وإن سطّرت صحفا
مليك إذا ما الدّهر أضعف برهة * ووافى حماه الرحب لارتاح واستشفى
وقوله :
أثرها قد أضرّ بها المقام * قلوص حشو أضلعها غرام
وسيّرها بزجر فالتهادي * قصور فيه لم يدرك مرام
وجب فيها السباسب واقتضبها * وجزع فيها كما جاز اليمام
وجدّ السير في طلب المعالي * فإمّا ما طلبت أو الحمام
هامش
( 1 ) الخيل تجتمع للغارة .