به أفلت شمس الكمال فأرعدت * مصيبتنا والحزن بالعمّ ماطر
وغيضت مياه الحزن عنك فما لنا * وحقّك قلب عند فقدك صابر
وليل العنا فينا اكفهرّ ظلامه * وضاقت علينا للفراق السرائر
لتبك المعالي بعد فقدك حسرة * كما لبست ثوب الحداد المفاخر
أيا لوذعيّا كان في الفضل باهرا * ومن عيشه بالبشر والعزّ هامر
لقد كنت بحرا في الفضائل والذكا * خطيبا لبيبا نور علياك ظاهر
وقمت بأعواد المنابر واعظا * بحسن بلاغ منه ناه وزاجر
عليك من الرحمن ألف تحيّة * ورضوانه ما ناح في الروض طائر
وما قال بالحسن الجزيل مؤرّخ : * على صالح يا قوم تبكي المنابر
صالح الجينيني - 1170 ه
صالح بن إبراهيم بن سليمان بن محمّد بن عبد العزيز الحنفيّ ، الجينيني الأصل ، الدمشقيّ المولد ، النعمان الثاني وعمدة ذي التحقيق وشيخ الحديث العمدة الرحلة العلّامة الفهامة . كان عالما محدثا فقيها حسن الاستحضار عديم النظير في فقه أبي حنيفة النعمان ، حتى إنّ « الدرّ المختار شرح تنوير الأبصار » لكثرة إقرائه وقراءته صارت مسائله نصب عينيه ، وكذلك غالب كتب المذهب ، كالاشباه والنظائر والدرر وغيرها .
وكان حسن الخلق ، سلم المسلمون من يده ولسانه . وكانت الطلبة تسير إليه صبيحة كلّ يوم سوى الاثنين والخميس ، يومي التعطيل . وكان حريصا على الإفادة . ولم يكن في وقته أعلى سندا منه . وانتهى إليه فن الفقه في زمانه . وكان جليسه لا يملّ ولو جلس مدى الدهر ، لما حواه من حسن الاستحضار مع إيراد النكت اللطيفة والحكايات الظريفة . حسن العشرة للخلق ومعاملتهم بالرفق . حتّى إنّهم يهرعون إليه إذا رأوه ، ويقبّلون يديه .
ولد بدمشق في سنة أربع وتسعين وألف ، ونشأ بها . وأخذ عن جماعة كثيرين ، وقرأ عليهم . فمن مشايخه والده الشيخ إبراهيم الجينيني الحنفيّ ، والشيخ أبي المواهب الحنبليّ ، والشيخ نجم الدّين ابن خير الدّين الرمليّ . والأستاذ الشيخ عبد الغني النابلسي ، والشيخ عبد اللّه بن سالم البصري المكّيّ ، والشيخ محمّد بن عليّ الكامليّ ، والسيّد إبراهيم بن حمزة نقيب الأشراف بدمشق . والشيخ عبد الرحيم الطواقي الدمشقيّ .
واستجاز والده له من جماعة وأخذ عنهم ، كالمحدّث الكبير الشيخ محمّد بن سليمان المغربي صاحب التآليف المشهورة ، والشيخ حسن بن علي العجيمي الحنفيّ المكّيّ ، والشيخ زين العابدين بن محمّد الصديقيّ المصريّ ، والشيخ محمّد بن عبد الرسول البرزنجيّ الحسيني