قلت : وما ذكر من مدح العارض والعذار محمول على المبالغة في الأشعار والاقتدارات في إبراز المعاني والعبارات ، وإيراد الابتكارات الأدبية . وإلّا فمن يفضّل الملتحي على ذي الوجنة الطريّة ؟ ومن يحمل إلى وجنة تلطّخت بالسواد ولبست لموت جمالها ثياب الحداد ، وذبلت ورودها ، واكتست حلبات الشّعر خدودها ؟ شتان بين خدّ أنيق يزدري بطراوته ونكهته الورد وحمرة الشقيق ، وبين المخالي ، ومن سوّدت وجهه الأيّام والليالي . فمن ينظر للقمر وقت المحاق ؟ أو يدّخر الفضّة بعد الاحتراق ؟ أو يعتاض عن الآرام بالقرود ؟ أو يستبدل بالترف خشن الخدود ؟ أو يستحسن كسوف الشمس ؟ أو يستغني بعجوز الشياطين عن عروس الإنس ؟ وكلّ ما أبدوه ابتكارات واختراعات للاقتدار لا لمدح العارض والعذار . انتهى .
وللمترجم ، وكتبه لبعض أصحابه مضمّنا :
يا من أفاض على الراجين سحب ندى * من كفّه فوق هم ضيقة العطن
إنّي قصدتك من جور الزمان فلا * تخيّب الظنّ واعددها من المنن
واذكر معاهد أنس قد مضين لنا * تحكي رياض المنى في غابر الزمن
« إنّ الكرام إذا ما أيسروا ذكروا * من كان يألفهم في المنزل الخشن »
فهاك ابنة فكري قد بعثت بها * إليك مستشفعا في رونق حسن
فاسبل عليها ذيول الستر سابغة * واغنم ثنائي لكم في السرّ والعلن
والبيت المذكور ضمّنه بعضهم مع الاكتفاء . وهو ما حكي أنّ الأمير بدر الدّين بيليك خزينة دار الحضرة « 1 » بالقاهرة ، كان لتاجر ، وذلك التاجر يحسن إليه وهو في رقّه . فلمّا باعه تنقّلت به الأحوال إلى ما صار إليه ، وافتقر التاجر فيما بعد . فحضر إليه إلى مصر ، وكتب إليه رقعة فيها :
كنّا جميعين في كدّ نكابده * والقلب والطرف منّا في أذى وقذى
والآن أقبلت الدنيا عليك بما * تهوى فلا تنسني إنّ الكرام إذا . . .
فأعطاه عشرة آلاف درهم .
وكانت وفاة صاحب الترجمة في ربيع الثاني اثنتين وخمسين ومائة وألف . ودفن بتربة الباب الصغير . رحمه اللّه تعالى . ورثاه الأديب الشيخ عبد اللّه الطرابلسي مؤرّخا بقوله :
على صالح يا قوم تبكي المنابر * فقد همعت بالحزن منّا المحاجر
هامش
( 1 ) من أكابر أمراء الملك الظاهر بيبرس ، توفّي وإيّاه في عام واحد سنة 676 ه ، انظر الوافي بالوفيات للصفدي 10 / 366 ، وفيه البيتان المذكوران .