ثم لم يزل يتنقّل إلى أن صارت له رتبة ابتداء التمشلي في دمشق . وأعطي قضاء جبلة على طريق الأربلق ، بسعي وهمّة من المولى إسحاق منلاجقزاده ، قاضي العساكر في روم إيلي ، لكون المترجم من أخصائه ومنسوبيه .
وتولّى بدمشق القسمة العسكرية ، ونيابة محكمة الباب مرارا . وفي آخر أمره ترك ذلك ، ولازم العالم الشيخ عمر البغدادي نزيل دمشق ، وتلمذ له وأخذ عنه وقرأ عليه التصوّف ، وحضره في التفسير وغيره ، إلى أن مات .
وكان رحمه اللّه إذا حضر بمجلس يبدي الحكايات المستظرفة والنكات اللطيفة . وبالجملة فقد كان من الأفاضل والأدباء . وله شعر حسن ، فمن ذلك قوله مشطّرا قصيدة العارف باللّه محمّد بن إسرائيل الدمشقيّ ، ومطلعها :
غنّها باسم من إليه سراها * كي تراها تطير في مسراها
واذكر المنزل الشريف لديها * تغن عن حثّها وحذب براها
ثم عدها عيون حمزة وردا * تعد شوقا إلى شفاء جواها
فلديها تلك المناهل تروي * فهي تشفي لا ماء صدى صداها
طالعات من الثنايا سراعا * تتهادى والشوق قد أنضاها
ليس تثني عن المنازل عزما * لو تبدّى لها الردى ما ثناها
ناجيات من المفاوز نصبا * ناصبات آذانها لحداها
قد أماطت أزمّة الصّبر عنها * والمطايا نجاتها في نجاها
جاعلات ريف الشآم وراء * منذ شامت من طيبة أضواها
وترامت تفلي الفيافي شوقا * حين أمّت من الحجاز هواها
قد وصلن الهجير والآل قصدا * قاطعات من الغرام كراها
ثم واصلن يومها بالليالي * وهجرن الظلال والأمواها
كلّما خفن في القفار ضلالا * حفّها النور فاهتدت بسراها
وإذا ضلّت المفاوز يوما * لاح برق من طيبة فهداها
حيث نور الهدى يلوح سناه * ورياح الندى يفوح شذاها
أيّها الظاعنون دعوة صبّ * صبّ دمعا والعين قد أجراها
قد أضرّ البعاد فيه وهذي * نفسه كثّر الخطايا خطاها
كم تمنّت لقاء تلك المغاني * فالأماني للنفس ما تهواها