وبعد موته ألف صاحب الترجمة في حقّه رسالة سمّاها : « البغي والتجري في ظهور ابن جبري » . وذكر فيها ترجمته وأحواله . واشتهرت الرسالة في وقتها . ولم يزل المترجم على حالته إلى أن مات .
وكان من أحباب والدي وأودّائه . وللوالد عليه حنوّ وعطف . وكان يكرمه كثيرا . وله فيه مدائح . فمن ذلك قوله ممتدحا والدي بهذه القصيدة ومطلعها :
سرت النياق وهزّني منها شجن * وغدت تحنّ بذا المسير إلى الوطن
وأهاجني برق تراءى إذ حدا * حادي الظعون بهم وروّعني الحزن
للّه يا حادي الركاب بمهجة * قد أورثت وجدا وشوقا للدّمن
ما أنت يا حادي بخلّي في السرى * دعها ومل نحو الديار إلى العطن
هذا العليّ أبو المكارم من غدا * غيث الزمان إذا به محل قطن
ذو الرأي والتدبير حبر كامل * مع فضل سحبان له خلق حسن
فالبحر يزخر من مواهب جوده * والدرّ والياقوت ليس له ثمن
لا غرو أنّ السيل يحكي كفّه * فالكفّ أسبق بالنوال إذا هتن
منها :
وعلى ثنائي للجناب ملازم * وسرائري تنبي بذلك والعلن
ما فيه عيب غير أنّ يمينه * قد طاولت أعلى السماك بلا وهن
لا زال يرفل في السيادة دائما * ما طاف عبد بالمقام له وحنّ
أو ما ترنّم طائر في بانة * يشدو بألحان لدى غصن أغنّ
وله من قصيدة امتدح بها والدي مطلعها :
سقاك المزن يا دارا بجزوى * وأخصبك الربيع بها وأروى
وحيّاك المهيمن ما تراءت * بدور من مغانيك لمثوى
بدور قد عهدت بهم وفاء * بذات الضال ، ما أهناه حبوا
تذكّرني الشبيبة كلّ وقت * ورغد العيش بالجرعاء مأوى
رعى اللّه المعاهد والمغاني * وإن كانت من الأعمار تطوى
فدع عنك المغاني ثمّ عرّج * لشهم العصر ساميه كرضوى
إمام في العلوم حوى أيادي * بسعد يا لها منحا فتروى
تسامى ، لا البدور له تحاكي * وأين البدر أن يحكيه زهوا ؟