عليّ بن أبي طالب ، كرّم اللّه وجهه ، فقال له : يا أمير المؤمنين تفتحون مكّة وتقولون : من دخل دار أبي سفيان فهو آمن ، وقد تمّ على ولدك الحسين منهم ما تمّ ؟ ! فقال : أما سمعت أبيات ابن الصيفي ، يعني به الحيص بيص « 1 » . فقلت : لا . فقال : اسمعها منه .
فلمّا انتبهت ذهبت إلى داره وذكرت له ما رأيت في منامي ، فبكى وحلف أنّه نظمها في هذه الليلة ، ولم يقف عليها سواه ، وهي هذه ، وأنشدها :
ملكنا فكان العفو منّا سجيّة * فلمّا ملكتم سال بالدم أبطح
وحلّلتم قتل الأسارى وطالما * غدونا على الأسرى نمنّ ونصفح
وحسبكم هذا التفاوت بيننا * « وكلّ إناء بالذي فيه ينضح »
ثم قال : وهذا المثل لم أر من شرح مورده ومن ضربه ، وهو يحتمل معنيين ، أحدهما ، وهو الظاهر المتبادر ، أنّ كلّ أحد يلوح على ظاهره ما في باطنه ، وإن أخفاه ، كما قيل : من أسرّ سريرة أردأه اللّه بردائها . والثاني : أنّ كلّ أحد يجازى من جنس عمله ، وهو الذي قصده الحيص بيص . انتهى .
رجع إلى صاحب الترجمة . فمن شعره قوله من قصيدة مطلعها :
هل لوصل إلى ظباء زرود * وزمان الأحباب من تجديد ؟
يا سقى اللّه معهدا جمع الشم * ل على الحبّ في النهار السعيد
وأويقات لهونا بأغنّ * ناعس الطرف أهيف أملود
قمر فوق بانة يتجلّى * سالب العقل في قوام وجيد
إن تثنّى فعطفه غصن بان * يثمر الورد في رياض الخدود
وإذا ما رنا بطرف غزال * فهو يثني لا شكّ عزم الأسود
حيث كأس السرور تجلّى علينا * بيد الأمن في رياض الورود
كلّما نحتسي الشراب تقول الن * فس يا قومنا وهل من مزيد ؟
وقوله من قصيدة مطلعها :
في العشق كم ينمو غرامه * صبّ أضرّ به هيامه
علقت به نار الهوى * ونما به وقدا ضرامه
ألف السهاد وما علي * ه لو تآخاه منامه
ومبرّح التبريح لو * أينا تخطّاه احتكامه « 2 »
هامش
( 1 ) سعد بن محمّد الصيفي التميمي . توفي سنة 574 ه .
( 2 ) الأين هنا بمعنى الحمل ، أو الرّجل ، ومن معانيها الأخرى : الجهد والتعب . لسان