الإقطاعات الأميرية السلطانية . ولما توفي والده وإخوته تقلبت به الأحوال ، وذهب إلى دار السلطنة قسطنطينية لأخذ الإقطاعات الأميرية التي كانت بيدهم من القرى ، ونظارة الأنهار وأعشار البساتين والغياض وغيرها . وصرف لتحصيل ذلك أموالا كثيرة . وركبته الديون وتنغّص عيشه بعدها .
وكان مع ذلك لا يفتر عن تحصيل الكتب واشترائها ومطالعتها ، وحضور الدروس ، ومنها درس والدي ، وزيارة الأعيان والوزراء ، وإيراد اللطائف والنكات في المحاضرات .
وكان كريم الطبع ، حسن الخصال ، سليم الصدر من الحقد والحنق ، سخيّ اليد ، يكرم الفقراء ، ويحسن إلى العلماء .
صحبته منذ ميّزت . وكنت أحبّه ويحبني . وكانت والدتي تقول لي : إن قريبك الأمير أمين من أهل الأدب والديانة والصلاح والصيانة . وأنا أحبّ أن تودّه وتجتمع به وتصاحبه .
وما طلبت منه كتابا للعارية ، إلا وأرسله إليّ هدية مع جملة كتب . وسمع من شعري الكثير .
وأخبرني أنه ما نظم من الشعر غير بيتين وأنشدنيهما من لفظه لنفسه ، وهما قوله :
كن لينا في الناس واحذر أن ترى * فظّ الطبيعة إنّه لم يحسن
انظر إلى الأكحال وهي حجارة * لانت فصار مقرّها في الأعين
ولما سمع ذلك صاحبه العالم الأديب خليل بن مصطفى الدمشقي نظم المعنى وأنشدنا إياه من لفظه ، فقال :
إن شئت ترقى لدى الخلّان منزلة * كن كالذي لان طبعا في مودّته
فالكحل يوضع في العين حيث غدا * ملائم الطبع مع وجدان قسوته
فقلت لهما : هذا المعنى قديم ، واستعمله بعضهم في مدح الغربة فقال :
الكحل نوع من الأحجار تنظره * في أرضه وهو مرميّ على الطرق
لما تغرّب حاز الفضل أجمعه * وصار يحمل بين الجفن والحدق
وطلب مني كتاب المرقّص والمطرب لأبي سعيد ، ولم يكن عندي إذ ذاك . فكتبت إليه :
يا أيّها المفضال يا ذا الجحى * يا مفردا بالشرق والمغرب
ألست تدري أنّ داري خلت * من مرقص فيها ومن مطرب
ولما قدم دمشق الأستاذ العارف الوجيه عبد الرحمن بن مصطفى العيدروس اليمني ، اجتمع به صاحب الترجمة ولازم مجلسه مدة إقامته بدمشق . وأخذ عنه وأجاز له بخطه . وكتب الإجازة نظما ، كما هي محررة وجدتها بخطه ، رضي اللّه عنه :