العباس شهاب الدين ، الشيخ الإمام العالم العلامة الحبر الفقيه النحوي . كان عالما صدرا رئيسا محققا مكرما للناس ، مقبول الشفاعة عند الحكام ، كثير الوعظ إليهم ، محترما لديهم ، له وجاهة كلية وإقدام ، مع التوقير والاحترام من الخاص والعام .
ولد بدمشق في سنة ثمان وسبعين وألف ، وبها نشأ . وأشغله والده بطلب العلم بعد أن تأهل لذلك . فقرأ عليه في الفقه ، وعلى الشيخ إسماعيل الحائك المفتي الحنفي في الأصول والنحو . وعلى الشيخ محمد أبي المواهب في مصطلح الحديث . وأجازه السيد محمد بن عبد الرسول البرزنجي المدني . وبرع وفضل وساد ، وتصدر للتدريس بعد وفاة والده . فدرّس بالمدرسة الشامية « 1 » البرانية في شرح المنهج ، وفي الأشهر الثلاثة بالجامع الأموي في صحيح البخاري .
وصنف شرحا على المنحة النجمية في شرح اللمحة البدرية ، وشرحا على نظم نخبة الفكر لجدّه الرضي ، لم يشتهر . واختصر كتاب جده محدّث دمشق الشيخ محمد نجم الدين الغزي المسمى : إتقان ما يحسن في الأحاديث الواردة على الألسن ، وسمّاه : الجدّ الحثيث في بيان ما ليس بحديث . واختصر السيرة النبويّة للشيخ العلّامة علي الحلبي . وشرح منظومة النخبة التي نظمها جدّه رضي الدين الغزي . وله غير ذلك .
وتولى إفتاء السادة الشافعية ، بعد وفاة والده ، وحمدت سيرته بها . وكان بدمشق مقداما له القول والكلمة النافذة ، ويحترمه أعيانها . وله مزيد التعظيم عندها ، إلى أن مات . وكانت وفاته في يوم الجمعة ثاني شعبان سنة ثلاث وأربعين ومائة وألف . ودفن بتربتهم بمقبرة الأستاذ الشيخ أرسلان ، رضي اللّه عنهما . ورثاه الشيخ سعيد السمّان الدمشقي ، والأديب عبد الرحمن بن محمّد البهلول بقصيدة مطلعها :
قضاء اللّه من للخلق أوجد * بنا يمضي توانى الشخص أو جدّ
والعامري نسبة إلى عامر بن لؤي ، رضي اللّه عنه ، والغزي نسبة إلى غزة هاشم . ولكن المحقّق المتواتر أنهم رؤساء العلم في دمشق ، أبا عن جد ، من حين وفودهم إليها . وأول من قدم منهم إلى دمشق جد المترجم الكبير أحمد بن عبد اللّه « 2 » في سنة سبعين وسبعمائة ، قاله السخاوي . وقال ابن قاضي شهبة تقي الدين : في سنة تسع وسبعين وسبعمائة . وقطنها وأخذ بها عن أئمة أعلام ،
هامش
( 1 ) من أشهر مدارس دمشق ، بنتها الخاتون « ستّ الشام » ، أخت صلاح الدين الأيوبي سنة 582 ه ، ودفنت فيها بين زوجها وأخيها . وهي في مدخل سوق ساروجة ، ويجري الآن إعادة ترميمها بعد ما كادت تنهار على المصلين . الخطط / 124 .
( 2 ) أحمد بن عبد اللّه بن بدر الغزي ، ولد بحدود سنة 758 ه ، وقدم دمشق بعد سنة 780 ه - الضوء اللامع 1 / 356 - 358 ، وما ذكره المؤلف فيه اضطراب وعدم دقة .