فسلمت عليه . فقال لي : أنت ما تأتي إلا إلى ابن البكري ، لم تأت إليّ ولا مرة . فقلت له : أنت مكانك مرتفع ، وأنا عاجز . فقال : أخرج إلى الخلوة أضيفك . قال : فلم تسعني مخالفته .
فخرجت معه ، وخفت من رائحة التّتن « 1 » أن تؤذيني لصغر الخلوة . فعلّق غليونه ، وصار يحكي معي . لكن لم أشمّ رائحة التّتن ، ولم يأت إلى جهتي منه شيء . فعلمت أنها كرامة له . قال :
وسألته : هل يأتي إليك الخضر ، عليه الصلاة والسلام ؟ قال : نعم ، وأي فائدة ؟ فإنه ينطق حنكا ويذهب . قلت : قوله ينطق حنكا أي : يفيد علوما لم تكن عندنا ، لأن الخضر عليه الصلاة والسلام ما اجتمع بأحد إلا وأفاده علما لم يكن عنده . وقوله : أيّ فائدة أعظم من هذه ؟ وقصد التعمية بهذا الكلام ، وقدم وأخّر لأنه من الملأ متيت الكرام .
وأخبرني ابن الخالة ، المرحوم السيد عبد الرحمن السرميني ، في مرض موته ، أنه دخل عليه الخلوة قبل أن يمرض بأيام قليلة . فقال له : يا عبد الرحمن لنا رجل اسمه عبد الرحمن رائح يموت .
قال : فلما سمعت عبارته هبط قلبي ، وأنا أخشى أن يكون أشار إليّ . ففسحت له في الأجل ، وقلت له : ما بقي في الدنيا عبد الرحمن إلا أنت . قال : وكنت إذا توعكت أرسلت خلفه ، فيأتي من غير مهلة ، والآن أرسلت خلفه مرارا فلم يأت . فقلت له : هؤلاء أرباب الأحوال ، كل ساعة في طور . وسلّيته بما أمكن . وكان ما أشار به إليه .
ودخل عليّ الخلوة التي في إيوان البادرائية الكبير . وكنت أطالع في كتاب . فلم أحفل به كعادتي . فقال لي : أنا لا أواخذك ، لكن لا تفعل هذا مع غيري . فقلت : جزاك اللّه خيرا .
وأوصاني ألا أجلس بدون سروال .
وطلب من العم الحاج إبراهيم بن أحمد بن الطويل ، كان اللّه له ، مرة في عتبة الخلوة ، مصرية ، فدفعها إليه ، فطلب أخرى ، فدفعها . ثم طلب منه أخرى . فتوقف عن الدفع .
فقال له : أنت تعطي صدقة عنك ، هات حقّنا ، فرأيته تنبّه ، وبادر إلى إعطائه ، وعدّ له خمسا أخر ، فأخذها ومضى . فسألته عند ذلك ، فقال : قد نذرت وأنا في البحر لأصحاب النوبة سبع مصريات ، ونسيت النذر . فلما طلب مني أولا وثانيا وثالثا ، وذكّرني تذكّرت ، وتحقّقت أنه فهم .
ووقع له مع رجل مصري ، يقال له : الشيخ عمر ، واقعة . وآخر يقال له : السيد مصطفى الدبّاغ . فسلب الأول . ولم يلبث أن مات الثاني . واشتهرت قصتهما . واعتقدت الناس فيه .
وكنت أرسلت له مع الوالد القلبي ، الشيخ إسماعيل الحرستاني المرحوم من البيت المقدس ، كتابا وصدّرته بقصيدة مطلعها :
هامش
( 1 ) التبغ .