من وجهه شمس الضحى * وجبينه ذو الانبلاج
ليظل يطعن نحره * منه بأطراف الزجاج
ويشيمنا برق الربيع * بروضة ذات ابتهاج
نشمّ نشر زهورها * من بعد طيّ واندماج
ونسيمها يروي أحا * ديث المسرة بامتزاج
فلما وصل إليه كتب الجواب وأرسله ، وهو قوله :
ورد المثال الذي رفع قدرا ، يروي أحاديث بشر ويسند بشرى . فمال العبد بالسرور جانبا ، وقال بشراي إذ كنت عبدا مكاتبا . وكنت كثيرا أراود نفسي المنازعة أن تجهز إلى باب سعادتكم مطالعة تنبي بما حلّ بحماة المحروسة ، وما جرى على ربوعها المأنوسة . إلى أن ورد المثال البديع ، الذي يقصر عن مماثلته البديع .
أما القصيدة المزرية جواهرها بالجمان ، الفائقة على نظم العقود الحسان . فكادت أن تستوجب قافية الجيم . ومعارضها يحتاج في تحصيل القافية إلى التنجيم . وإلا فمن يحصل هذه القوافي ، ويكون في حسن المعارضة موافي . وما يقدر على نظم الجواهر إلا الملوك الصّيد ، والأكابر الأكاسر .
وأما النثر فما النثرة من أمثاله ، ولا الجوزاء من أشكاله . وحق من ملك المولى زمام الكلام ، وأقدره على صوغ النثر والنظام . أنّ فضل مولانا أشرق في الأقطار ، واشتهر اشتهار الشمس في رابعة النهار . فلا نجد شاعرا إلا تحلّى بأشعاره ، ولا نرى ناثرا إلا اجتلى بديع نثاره :
خصصت بفضل ليس يوجد مثله * وذلك فضل اللّه يؤتيه من يشا
وأنهي للجناب أحوال الشتاء العام ، الذي ثقل على الخاصّ والعام . فقد امتدت على البسيطة سدّته . وطالت على جميع العالم شدّته . فنصب خيمته وضرب أوتاد الثلوج ، وسرّح مواشي الريح والبرد بالمروج . ورمى الوجود ببنادق برده بشتائها ، وأعرب عن تراكم ثلجها وأنوائها . ووصف من ذلك ما يعجز الخنساء بوصفه ، ويتحقق السامع منه حقيقة ضعفه .
فأما حماة فقد حلّ حماها ، فأذهل أهلها من المصائب ودهاها . فأول الفصل كفاها اللّه وحماها . وأفاض بسمائها أنوار الشمس وضحاها . وزين الأفق بدرر الكواكب وحلاها .
وأبدر قمرها في الليل إذا يغشاها . ثم تغيرت الأنواء وتراكمت سحبها الثقال وتعاظمت ،