الشرق إلى الغرب ، ومن الشّمال إلى القبلة ويسوقه كيف أراد فاجتمع له من ذلك أموال عظيمة فحملها إلى فرعون وأخبره الخبر ، فقال له فرعون : ينبغي للسيد أن يعطف على عبيده ويفيض عليهم من خزائنه وذخائره ولا يرغب فيما بأيديهم ، ردّ على أهل القرى ما أخذت منهم ، فردّ عليهم أموالهم . فانظر إلى صنع هذا الكافر الذي لا يؤمن بالله واليوم الآخر ، كيف عاب على عامله ، وكافر مثله ، أخذ ما أخذه من الأموال على معروف أبداه ، وإحسان أسداه ، ورأى ذلك ممّا يقدح في السيادة ويخدش في وجه الرياسة ويطعن في ثغرة المجادة « 1 » ، وهو مع ذلك لا يرجو ثوابا ولا يخاف عقابا ، فكيف يجب أن تكون حالة من يؤمن بيوم الحساب ، ويرجو الثّواب ، ويخاف العقاب ، فليعتبر العاقل بذلك وليسأل اللّه المعافاة من الوقوع في هوّة رذيلة البخل ومذلّة الشحّ وغيرهما من سائر المهالك .
وروي « 2 » أن كسرى قال يوما لأصحابه : أيّ شيء أضرّ بابن آدم . قالوا :
الفقر ، قال : لا ، الشّحّ أضرّ من الفقر لأن الفقير إذا وجد اتّسع ، والشحيح لا يتّسع أبدا . ويكفي في قبح الشح « 3 » ( والتنفير عنه وذمّه ، والتحذير منه قول النبي صلّى الله عليه وسلم « 4 » : « إياكم والشح ) فإنّه أهلك من كان قبلكم أمرهم بالقطيعة فقطعوا ، وأمرهم بالبخل فبخلوا ، وأمرهم بالفجور ففجروا » ، وقوله عليه الصلاة والسلام « 5 » : " لولا ثلاث صلح أمر الناس : شحّ مطاع ، وهوى متّبع ، وإعجاب « 6 » المرء بنفسه " .
هامش
( 1 ) المجادة مصدر مجد أي كرمت أفعاله . ( اللسان : مجد ) .
( 2 ) من سراج الملوك 78 إلى قوله : " والشحيح لا يتسع أبدا " .
( 3 ) ما بين القوسين ساقط من ج .
( 4 ) الحديث في عون المعبود 5 / 115 وبهجة المجالس 1 / 623 .
( 5 ) سنن ابن ماجة 2 / 1331 وبهجة المجالس 1 / 623 وإحياء علوم الدين 1 / 14 ، 3 / 219 وكشف الخفاء 2 / 289 ، ونسب هذا الحديث في العقد الفريد 2 / 257 لعمر بن الخطاب ونصّه : « أخوف ما أخاف عليكم : شحّ مطاع . . »
( 6 ) ج : وأعجب ، وهو غلط .