له « 1 » : هل رأيت قط أسخى منك ؟ قال : نعم ، نزلنا مرّة بالبادية على امرأة فحضر زوجها ، فجاء بناقة فنحرها ، وقال شأنكم ، فلمّا كان من الغد جاءنا بأخرى فنحرها ، وقال شأنكم ، وفعل ذلك أياما فقلنا له يوما : ما أكلنا من التي نحرت البارحة إلّا اليسير ، فقال : إني لا أطعم أضيافي الغبّ « 2 » ، فبقينا عنده أياما والسماء تمطر وهو يفعل كذلك ، فلما أردنا الرحيل وضعنا مائة دينار في بيته ، وقلنا للمرأة :
اعتذري عنّا إليه ومضينا ، فلما ارتفع النّهار إذا نحن برجل يصيح خلفنا : قفوا أيّها الرّكب اللّئام ، أعطيتمونا . ثمن قرانا ، ثم قال : والله لتأخذنّها وإلّا طعنتكم برمحي فأخذناها وانصرف .
وكان « 3 » عبد الله بن جعفر بن أبي طالب « 4 » رضي الله عنه وعن أبيه أحد الأجواد ، خرج يوما إلى ضيعة له فنزل على نخيل قوم وفيها غلام أسود يقوم عليها ، فأتي بقوته ثلاثة أقراص . ودخل كلب فدنا من الغلام ، فرمى إليه بقرص فأكله ، ورمى إليه بالثاني والثالث فأكلهما وعبد الله ينظر ، فقال له : يا غلام ، كم قوتك كلّ يوم ؟ قال : ما رأيت قال : فلم أثرت هذا الكلب ؟ قال : ما هي بأرض كلاب ، وإنّما جاءني من مسافة بعيدة جائعا فكرهت ردّه ، قال : ما أنت صانع اليوم ؟ قال : أطوي يومي هذا ، فقال ابن جعفر : ألام على السخاء ، إنّ هذا لأسخى منّي ، فاشترى الغلام والحائط وما فيه من الآلات وأعتق الغلام ووهب ذلك له .
هامش
( 1 ) من سراج الملوك 73 بتصرف إلى قوله : ( وإلّا طعنتكم برمحي ، فأخذناها وانصرف ) والخبر في الرسالة القشيرية 113 والمستطرف 1 / 157 .
( 2 ) الغبّ من الطعام ما بات ليلة فسد أو لم يفسد ، وخصّ به بعضهم اللّحم ( اللسان : غبب ) .
( 3 ) من سراج الملوك 74 - 75 بتصرف إلى قوله : ( واعتق الغلام ووهب ذلك له ) . والخبر في المستجاد 17 - 18 وإحياء العلوم 3 / 223 والمستطرف 1 / 159 وحياة الحيوان 2 / 496 .
( 4 ) هو أحد الصحابة ولد بأرض الحبشة لمّا هاجر أبواه إليها ، كان كريما جوادا ظريفا سخيّا يسمّى بحر الجود ، ويقال إنه لم يكن في الإسلام أسخى منه ، وكان أحد الأمراء في جيش علي يوم صفين ( - 80 ه ) المحبر 147 - 150 والمعارف 206 والاستيعاب 3 / 880 - 882 والفوات 2 / 170 - 171 والأعلام 14 / 76 .