العسكران يتدانيان إلى أن عادت طلائع المسلمين إلى المسلمين ، فقالوا لآلب أرسلان : غدا يتراءى الجمعان ، فبات المسلمون وجلين ، بما دهاهم ، والقوم في عدد لا يحصيهم إلّا الذي خلقهم ، وما لهم في المسلمين إلا أكلة جائع ، وكانت تلك الليلة ليلة جمعة ، فلمّا أصبح المسلمون صباح يوم الجمعة ، ونظروا إلى عسكر الروم هالهم ما رأوا من كثرة العدوّ وقلّتهم وآلتهم ، فأمر الب المسلمين أن يعتدّوا ، فبلغوا اثني عشر ألف تركي وإذا هم منهم كالرّقمة « 1 » في ذراع الحمار فجمع ذوي الرأي من أهل الحرب والتّدبير والشّفقة على المسلمين والنظر في العواقب فاستشارهم في استخلاص صواب الرّأي ، فتشاوروا برهة ثم اجتمع رأيهم على اللّقاء ، فتوادع القوم وتحالفوا « 2 » وناصحوا الإسلام وأهله ثم تأهّبوا أهبة اللّقاء ، وقالوا لآلب أرسلان :
باسم الله نحمل ، فقال لهم : يا معشر المسلمين ، تمهّلوا فهذا يوم الجمعة ، والمسلمون يخطبون ويدعون لنا على المنابر في مشارق الأرض ومغاربها ، فإذا زالت الشمس وفاءت الأفياء « 3 » ، وعلمنا أنّ المسلمين قد صلّوا وصلّينا عملنا أمرنا . فصبروا إلى أن زالت الشمس ، فصلّوا ودعوا اللّه تعالى أن ينصر دينه وأن يربط على قلوبهم بالصّبر وأن يوهن عدوّهم « 4 » ، ويلقي في قلوبهم الرّعب . وكان ألب أرسلان قد استوثق من خيمة ملك الرّوم وعلامته وفرسه وزيّه ، ثم قال لرجاله : لا يتخلف أحد أن يفعل كفعلي ويضرب بسيفه ، ويرمي بسهمه حيث أضرب بسيفي وأرمي بسهمي ، ثم حمل وحملوا حملة واحدة إلى خيمة ملك الرّوم ، فقتلوا من كان دونها
هامش
( 1 ) جاء في الحديث " ما أنتم في الأمم إلّا كالرّقمة في ذراع الدّابة " والرّقمة الهنة الناتئة في ذراع الدابة من داخل ، وهما رقمتان في ذراعيها أي أثران بباطن ذراعيها . ( اللسان : رقم ) .
( 2 ) ش : وتخالفوا وهو غلط .
( 3 ) فاءت الأفياء أي تحوّلت ، والأفياء جمع فيء وهو ما بعد الزوال من الظّلّ . ( اللسان : فيأ ) .
( 4 ) أب ج ه و : عدوه وهو غلط ، والتصحيح من ش وسراج الملوك .