أبو بكر ابن أزهر « 1 » رحمه الله ببلدة شريش في سنة اثنتين وثمانين [ وخمس مائة ] في المسجد الذي كان يقرئ فيه ابن جهور « 2 » ، عن ابن جهور أن الحريريّ ألّف المقامات كلّها على الركاب « 3 » ، وذلك أن المستظهر بالله لمّا أمره بعملها أمره بالخروج من بغداد كالحافظ على العمال ، فكان يخرج في البريد ، يتمشى في ضفتي دجلة والفرات ، ويصقل خاطره بنظر الخضر والمياه ، فلم ينقض فصل العمل إلّا وقد اجتمع له مائتا مقامة فخلص منها خمسين وأتلف الباقي وحرّر الكتاب ورفعه إلى المستظهر بالله ، فبلغ عنده أعلي المراتب .
قال : وكان ابن جهور إذا وصف الحريريّ يقول : أقبح النّاس صورة . وكان قليل شعر العارضين لا خلقة ولكن كان مولعا بنتفهما ، كان لا يجلس أبدا في موضع إلا ويده تعبث في لحيته وما رئي في العراق من زمن الجاحظ إلى زمن الحريري أقبح منها صورة ، ومتى وصف في مقاماته السروجيّ بصفة قبيحة فإنما يعني نفسه ، ولذلك قال : أنا في العالم « 4 » مثلة .
قال : وحدثني الشيخ الأستاذ النحويّ أبو عبد الله ابن السقاط « 5 » بمدينة فاس أنّه رأى في مكة حفيده لابنته ، فسأله عمّا كان ينتحل ، فقال له كان نشّاء ، يريد أنه كان ينشئ الرسائل ويعطيها لكتاب الملك يكتبونها بأيديهم ، وكان لا يكتب بيده إلا قليلا . انتهى .
هامش
( 1 ) أبو بكر ابن أزهر الحجريّ هو أحد شيوخ الشريشيّ ، ومن أهل بلده ، وأول من أخذ عنه رواية مقامات الحريريّ ، وقد كان قاضيا . انظر شرح المقامات 1 / 3 والتكملة لابن الأبار ، 1 / 111 وبرنامج شيوخ الرعيني 90 ونفح الطيب 2 / 115 .
( 2 ) هو أبو القاسم ابن عبد ربه القيسيّ صهر أبي بكر ابن أزهر السابق الذكر ، فقيه محدث ورواية من أعلام الأندلس وقد روى المقامات عن الحريري انظر شرح المقامات 1 / 3 .
( 3 ) الرّكاب للسّرج : ما توضع فيه الرّجل ( المعجم الوسيط : ركب ) ، ويقصد أنه ألّف المقامات وهو راكب على دابته . . .
كالحافظ على العمال .
( 4 ) ج : فالعالم ، وهو غلط . والمثلة هي تقطيع أطراف الإنسان وتشويهه . ( اللسان : مثل ) ولعله يقصد بهذه الكلمة هنا أنه مشوّه الخلقة قبيح الملامح .
( 5 ) لم أعثر له على تعريف له في المظان .