لك اللّحظات الكالئات قواصدا * بنعمى وبالبأساء فهي شواذر « 1 »
ولو لم تكن إلّا بنفسك فاخرا * لما انتسبت إلّا إليك المفاخر
قال : فطرب أبو محمد حتى نزل عن سريره إلى الأرض وقال : أحسنت والله .
وأجملت ، ولو لم تقل قطّ ولا تقول في باقي دهرك غير هذا ، لما احتجت إلى القول .
وأمر له « 2 » بخمسة آلاف دينار فأحضرت ، واقتطعه إلى نفسه فلم يزل في جنبه « 3 » أيام ولايته ، وبعد ذلك إلى أن مات ، فما تصدّى إلى غيره .
« 4 » وكان محمد بن وهيب قد مدح عليّ بن هشام « 5 » ، وتردّد إليه وإلى بابه دفعات فحجبه ، ولقيه يوما ، فتعرّض له في طريقه وسلّم عليه ، فلم يرفع إليه طرفه ، وكان في تيه شديد . فكتب إليه رقعة يعاتبه فيها ، فلما وصلت إليه خرّقها وقال : أيّ شيء يريد هذا الثقيل السيء الأدب ؟ فقيل له ذلك ، فانصرف مغضبا ، وقال : والله ما أردت ماله ، وإنما أردت التّوصّل بجاهه ، وسيغنيني اللّه عزّ وجل .
أما والله ليندمنّ على فعله . وقال يهجوه « 6 » : ( تام البسيط )
أزرت بجود عليّ خيفة العدم * فصدّ منهزما عن شأو ذي الهمم
لو كان من فارس في بيت مكرمة * أو كان من ولد الأملاك في العجم
أو كان أوّله أهل البطاح أو الرّكب * الملبّون إهلالا إلى الحرم
أيّام تتّخذ الأصنام آلهة * فلا ترى عاكفا إلّا على صنم
لشجّعته على فعل الملوك لهم * طبائع لم ترعها خيفة العدم
لم تند كفّاك من بذل النّوال كما * لم يند سيفك مذ قلّدته بدم
هامش
( 1 ) شواذر : مهدّدة من التّشذّر وهو التّهدّد والتّوعّد . ( اللسان : شذر ) . وفي الأساس ( شذر ) : « وأقبل يتشذّر : يتهدّد » .
ويقصد أن له أوقاتا يحفظ فيها من يشاء ويرعاه فتصيبه النّعمى ، ويتهدد من يشاء فتصيبه البأساء .
( 2 ) ج : لي .
( 3 ) ج : جنبته .
( 4 ) من الأغاني 19 / 81 - 82 ، والخبر في معاهد التنصيص 1 / 223 - 224 .
( 5 ) هو أحد قواد المأمون الذي أعانه في حربه مع معارضيه فقرّبه وأغدق عليه ، وولّاه الولايات الواسعة ، ثم قتله سنة 217 انظر نتفا من أخباره في تاريخ الطبري 8 / 543 - 544 ، 566 ، 572 ، 574 ، 614 ، 622 ، 626 ، - 628 627 .
( 6 ) الأبيات في الأغاني 19 / 81 - 82 ومعاهد التنصيص 1 / 223 - 224 .