في المعارف خبير ، وكان في الحفظ لا يقبل النظير . وكان يلازم المومى اليه ، ويجعل معوله دون الناس عليه . ويلازم ناديه ، متوقعا لنثار أياديه . وقد أرجت منه نوافج الند ، وماست معاطف الرند . وهو في مجلسه ، متشرف بتأنسه . فيتناشد الاشعار ويتذاكر عن مواقع النثار ، في تلك النضار . ويتفكهون بالنشيد ويتسامرون بالقصيد . فينتعش البصير ويتمايل ، ويهتز طربا بكل ما يتناول . ويحفظ قصائد من نشيد واحد ، ويدعي سماعه في الزمان المتباعد . وينشدها فإذا هو كما قال ، من غير ضميمة نقص واختلال . فيهتز عمي به طربا ، ويستخرج من معادن فكره جواهر وذهبا .
وكان في الغاية سريع النظم ، قوي الفهم ، منظوم الكلم .
غريب النباهة ، عجيب البداهة . رايق النشيد ، فائق النظم والقصيد . فنظم مرة قصيدة ، كاللئالئ « 1 » نضيدة . وهي في بابها عجيبة ، وحشية الالفاظ غريبة . متقاربة الالفاظ ، مشكلة على الحفاظ . من قبيل ما ذكره صاحب المستطرف « 2 » نقلا عن الأصمعي « 3 » قوله :
صوت صفير البلبل * هيج قلب الثمل
امتحانا للبصير ، وتجربة لحفظه الغزير . فلم يسعه حفظها . وسلم
هامش
( 1 ) في الأصلين كاللئالي .
( 2 ) المستطرف في كل فن مستظرف . ومؤلفه محمد بن أحمد أبو الفتح الأبشيهي المتوفى سنة 850 ه وطبع المستطرف عدة طبعات وترجم إلى الفرنسية .
( 3 ) الأصمعي عبد الملك بن قريب الراوية المشهور المتوفى سنة ( 216 ) ه .