« المغاربة أسيادنا » وانحنى من أعلى الفرس نحوي ليقبل يدي ، وأنا كذلك ، وكان ذلك في وسط سوق ، فأجبته بقولي : « ما نحن إلّا عبيد وأنتم السّادة الموالي » وقلت له أيضا : « الملاقاة لها أوقات » ، وافترقنا .
ومن الغد بعد طلوع الشّمس فما أنا إلّا والسيّد المذكور قادم وداخل عليّ في مكاني ، وقال لي : الزّيارة وجبت علينا لأنكم قدمتم زائرين ، وقريبي عهد من سيّد المرسلين ، فوقفت له على الأقدام ، وتلقيته بالتّعظيم والتكريم ، وقمت به أحسن قيام ، وجلس عندي حصة حتى أعيانا الكلام ، فلما أراد المسير عزم عليّ وقال للرّفيق الّذي يلازمني : يا عبد الرّحمن ، ائتني بهما اللّيلة وقلت : نعم سعيا على الرأس لا سعيا على القدم . فلمّا صلّينا صلاة العصر بالجامع الأموي أخذني الرّجل الّذي تكفّل بي ، وسرنا جميعا ورفيقي الحاج محمد ابن محمود ، ولمّا وصلنا مكانه أجلّنا وأكرمنا ، وفي أعلى مكان أجلسنا ، واجتمعت عنده النّاس من خدامه ومجالسيه ، أخذ يحيينا ويمدحنا عند جلسائه ، ويتكلّم مع الحاضرين ، ثمّ يلتفت إلى ناحيتي ويزيد في الإكرام والترحاب إلى آخره ، وطال المجلس ، وحصل لي بعض عطش ، وطلبت نفسي / شرب الماء ، فاستحييت أن أطلبه وأنا في مكان لم أدخله قبل ، وأناس محدقون « 110 » مجتمعون « 111 » ، فشقّ عليّ طلبه ، ثمّ إنّ الشّيخ نادى يا فلان ، خذ البوقال واملأه من محل كذا ، يعني به ماء طيبا ، فقلت في نفسي : إذا شرب الشّيخ شربت أنا أيضا ، فجاء الرّجل ببوقال ماء ، فأشار إليه بوضعه في الأرض بيني وبينه ، بل هو قرب ركبتي ، فوضعه الرّجل ، والتفت الشّيخ يتحدّث مع الحاضرين ، وأنا أرجو أن يشرب الشّيخ لأشرب بعده ، فلمّا طال الحال ولم امدد له يدي ، ولم أتجاسر على الشّراب ، إذ ذاك نظر إليّ وكاشفني بما في ضميري من العطش ، وقال لي : « أنا ما جئت بالماء إلا لتشرب أنت ، لأنك تستحي أن تطلب الماء » فشربت ريّا ، ورأيتها من أعظم المكاشفات - نفعنا اللّه - به آمين .
[ 185 - عبد الغنى النابلسي ]
ومنهم من اجتمعنا به ، وتشرفنا بملاقاته ، ونالنا من عميم بركاته
هامش
( 110 ) كلمتان سقطتا من « ج » .
( 111 ) كلمة اختصت بها « أ » .