انقادت أزمّة الفضلاء لبابه ، واغترفت الأذكياء من فياض عبابه ، واستندت الأجلّة لكهف جنابه ، فما تقلّد جيد الدّهر بأغلى من درّه ، وما سحّت مزن الأكابر بأخلص من درّه ، وتعاطى منصب الفتيا مدّة إحدى وثلاثين سنة ، ولم يسمع الدّهر بمثله لتضلّعه في علم النّوازل وتحقيقها وتدقيقها . وكان - رحمه اللّه - « 182 » مرضيّ الأخلاق ، حسن الملاقاة ، قصير القامة ، مليح الصّورة ، عفيفا ، ظريفا ، استكمل المحاسن كلّها . وأكمل شرح الدّرّة البيضاء للشّيخ الأخضري في الحساب والفرائض ، واعتذر في التّكميل المذكور بقوله : « وأين الرّقعة من الثّوب » . وكان ينشد الشّعر الرائق . وفضائله ليس لها حدّ .
توفّي - رحمه اللّه تعالى - سنة 1115 [ / 3 - 1704 ] . أبيض اللّون ، ممتلئ الجسم ، مدوّر اللّحية ، نظيف الشّيب ، حسن الزّي ، بطيء الحركات ، حسن السّكينة في الصلاة ، مليح الثّياب ، يعرف مقدار ذوي الفضل - رحمه اللّه تعالى - .
[ 93 - محمد الحجيج ]
ومنهم الشّيخ الإمام ، العلم الهمام ، خاتمة المحققين ، وعمدة المدققين ، وحيد دهره ، وفريد عصره « 183 » المولى الشيخ « 184 » أبو عبد اللّه محمد الحجيج الأندلسي . تزايد بتونس وقرأ في مبادئ أمره على علماء عصره ، ثم أخذ الفقه عن العلّامة البركة أبي الحسن علي النعّاس ، وعن المحقّق والمدقّق الشّيخ عاشور القسنطيني ، واستكمل عليه علمي الأصول والكلام ، وأخذ عن المحقّق أبي بكر البكري ابن مولانا تاج العارفين علمي التّفسير والحديث رواية ودراية ، وحضر مجلس تاج العارفين . قال الشّيخ :
« ذهب الشّيخ تاج العارفين بعد انفصاله عن مجلسه إلى داره ، فوقف عليه رجل ، وقال له : حضر الخضر - عليه السّلام - في مجلسك هذا اليوم ، ووقف على رأس ابنك كثيرا ، وعلى رأس هذا الغلام ، قال « 185 » :
« يعنيني » ، وذلك إشارة إلى تفقهي عنه . وأخذ علم الكلام وشيئا من المعقول عن شيخه أبي الحسن علي الأندلسي ، وشيخه أبي الحسن
هامش
( 182 ) كلمتان سقطتا من « ج » .
( 183 ) أربع كلمات سقطت من « ج »
( 184 ) كلمة ساقطة من « ب » .
( 185 ) كلمة ساقطة من « أ » .