وهو أوّل خطيب خطب بجامع محمد باشا ، وكان ذلك في أوائل رمضان سنة 1066 [ / 1656 ] ، وكان أعطاه محمد باشا باي الجامع المذكور لما ولّاه الخطابة أربع فرجيّات « 52 » .
وحدّثني ثقة سمع منه قال : « جمعت الّذي أعطاني محمد باشا جميعه بإضافة بعضه إلى بعض فبلغ نحو العشرين ألف ريال » . ويوم مات محمد باشا المذكور « 53 » باشر غسله ، فبعث إليه ابنه مراد باي بمائة ريال فردّها ، وهو يبكي ويقول : « ما كنت أرجو محمد باشا يموت وآخذ في غسله مائة ريال » .
وكان فصيحا جيّدا في خطبه يبكي ويبكي . ويقشعرّ جلد سامعه ، ومواعظه مؤثّرة أيّ تأثير ، وكان كثيرا ما يأتي في خطبه بمناسبات حوادث الأيّام ، جهوري الصّوت ، إذا وعظ أثّر ، وكان يهابه من سواه ولا يهاب من سواه . وكان فيه حدّة في دين اللّه ، كثير البكاء من خشية اللّه ، سخوفا ، سريع الرّضى ، دخل يوما داره ، فوجد ابنته تنازع أمة ، فلمّا رأته ، قالت : « يا أبت اضربها » ، قال : « بل نعتقها هي حرّة لوجه اللّه » . وكان يروي البخاري بالجامع المذكور ، وكان فصيحا باللّغة التّركيّة ، وكان صاحب صدقة مرتبة كلّ يوم لأناس معلومة عدا من يصادفه من الفقراء ، وكان محبوبا عند العامة مقبولا عند الحكّام لا تردّ شفاعته ، وقال في آخر خطبة خطبها « 54 » ، وكان أوّل شهر ربيع الأوّل ، فلذلك سمّي محمد ،
« وَالْحَمْدُ لِلَّهِ » *
« 55 » آخر كلام المتقين . قال اللّه سبحانه وتعالى :
« دَعْواهُمْ فِيها سُبْحانَكَ اللَّهُمَّ وَتَحِيَّتُهُمْ فِيها سَلامٌ وَآخِرُ دَعْواهُمْ أَنِ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ »
« 56 » .
وتحسس يوما ، فدخل / على ابنه عشية ذلك اليوم في حجرته بالمدرسة اليوسفية ، وقال له : « يا بني ، يهديك اللّه ، تسلم مني هذه
هامش
( 52 ) مفردها فرجية ، وهي جبة واسعة طويلة الآكام . وهي عادة من لباس رجال الدين . راجع أمين 305 .
( 53 ) كلمة ساقطة من « ب » .
( 54 ) في ج ود « خطب » .
( 55 ) كلمة زادتها « ج » .
( 56 ) قرآن ، يونس : 10 .