رسول اللّه صلّى اللّه عليه واله وسلم لما فرق كتابه فهو كسرى أبرويز بن العادل أنوشروان وهو صاحب القصر الأبيض بالمدائن المعروف بقصر شيرين « 1 » ، ومعناه الحلوة بالعربية وهي زوجته ، وكانت مشهورة بالجمال ، والإيوان من عمارة العادل عمّره ليقيم فيه سنّة العدل .
ولأبي عبادة البحتري قصيدة يذكر فيها الأيوان ومآثر الأكاسرة ، استخفني حسنها على ذكرها ، ثم رأيت أبا العباس عبد اللّه بن المعتز قد أطنب في استحسانها ، وفضل لها البحتري ، فعجبت من توارد الخواطر ، وزادني ذلك غراما في إيرادها وهي :
صنت نفسي عمّا يدنّس نفسي * وترفّعت عن جدا كلّ جبس « 2 »
وتماسكت حين زعزعني الدّه * ر التماسا منه لتعسي ونكسي « 3 »
بلغ من صبّبة العيش عندي * طفّفتها الأيّام تطفيف بخس « 4 »
وبعيد ما بين وارد رفه * علل شربه ، ووارد خمس « 5 »
وكأنّ الزّمان أصبح محمو * لا هواه مع الأخسّ الأخسّ
واشترائي « العراق » خطّة غبن * بعد بيعي « الشّآم » بيعة وكس « 6 »
لا ترزني مزاولا لاختباري * بعد هذي البلوى فتنكر مسّي « 7 »
وقديما عهدتني ذا هنات * آبيات على الدّنيّات شمس « 8 »
هامش
( 1 ) ان القصر الأبيض بالمدائن - ضواحي بغداد - هو قصر كسرى وقد بقي منه جزء يدعى ب ( إيوان كسرى ) ما زال ماثلا إلى الآن .
أما قصر شيرين فهو في منطقة تدعى بهذا الاسم تقع في إيران على مقربة من الحدود العراقية - الإيرانية من جهة بغداد ولعل الخلط من هذين الموقعين وقع سهوا .
( 2 ) الجبس : الجبان واللئيم والفاسق والثقيل الروح .
( 3 ) النكس : انقلاب الرجل على رأسه ، أو سقوطه كلما نهض .
( 4 ) البلغ : جمع بلغة وهي ما يتبلغ به في العيش ولا يفضل منه شيء .
الصبابة : البقّة من الماء . التطفيف : النقص في الوزن والتقدير .
( 5 ) الرفه : طيب العيش ولينه . ويقال : رفهت الإبل أي وردت الماء متى شاءت .
العلل : ورود الماء ثانية بعد الورود الأول الذي يسمى النهل .
الخمس : من أظماء الإبل وهي أن ترعى ثلاثة إيام وترد في اليوم الرابع .
( 6 ) الغبن : الخداع في البيع والشراء . الوكس : النقصان والخسارة .
( 7 ) رازه يروزه : جربه .
( 8 ) الهنات : خصال شر ؛ الشمس : العنيدة التي لا تذل .
الشّمس : العنيدة التي لا تذلّ .