للعقار ، وتقلّبوا في أعطاف العيش بين الخفّة والطيش ، ووضع في يد كل واحد منهم طاس ذهب فيه ألف مثقال ، شرابا قطربليّا أو عكبريّا ، فيغمس لحيته فيه بل ينقعها حتى تتشرب أكثره ، ويرش به بعضهم بعضا ، ويرقصون بأجمعهم وعليهم المصبّغات ، ومخانق المنثور والبرم « 1 » ، فإذا أصبحوا عادوا كعادتهم في التوقّر .
والتحفظ بأبهة القضاء وحشمة المشائخ الكبراء « 2 » .
وإيّاهم عنى السّري الرفاء بقوله [ من المنسرح ] :
مجالس ترقص القضاة بها * إذا انتشوا في مخانق البرم
وصاحب يخلط المجون لنا * بشيمة حلوة من الشّيم
تخضب بالرّاح شيبه عبثا * أنامل مثل حمرة العنم
حتّى تخال العيون شيبته * شيبة عثمان ضرّجت بدم « 3 »
ومن بديع شعر التنوخي المذكور وكان الصاحب يفضله على سائر شعره وهو الكافي فيه [ من الكامل ] :
أحبب إليّ بنهر معقل الذي * فيه لقلبي من همومي معقل
عذب إذا ما عبّ فيه ناهل * فكأنّه في ريق حبّ ينهل
متسلسل وكأنه لصفائه * دمع بخدّي كاعب يتسلسل
وإذا الرياح جرين فوق متونه * فكأنه درع جلاها صيقل
وكأنّ دجلة إذ تغطمط موجها * ملك يعظّم خيفة ويبجّل
وكأنّها ياقوتة أو أعين * زرق يلائم بينها ويوصل
عذبت فما تدري أماء ماؤها * عند المذاقة أم رحيق سلسل
ولها بمدّ بعد جزر ذاهبا * جيشان يدبر ذا وهذا يقبل
وإذا نظرت إلى الأبلّة خلتها * من جنة الفردوس حين تخيّل
كم منزل في نهرها آل السرو * ر بأنّه في غيره لا ينزل
وكأنّما تلك القصور عرائس * والروض فيه حلي خود ترفل « 4 »
هامش
( 1 ) البرم : نوع من الثياب .
( 2 ) يتيمة الدهر 2 / 335 - 336 ، وفيات الأعيان 3 / 366 - 367 .
( 3 ) يتيمة الدهر 2 / 337 ، معاهد التنصيص 1 / 136 ، ديوان السري الرفاء 2 / 677 .
( 4 ) في الأصل : « والروض فيه حليتها وفيه ترفل » وما أثبتنا من ديوانه .