وتصريع ما ألمّ بمثله الصريع ، وشعره مع حلاوة الديباجة ، وطلاوة التركيب التي مرحت بها طلا الدنّ ، ولا سلافة الزجاجة ، لا تخلو من نكتة أدبيّة ترقص المناكب ، وفوائد علمية من كلّ فن تنقضّ منها الكواكب ، عالم بكلّ ما يقول ، عارف بغرائب النقول ، أجاد فنون النظم والقريض ، وأتى في الجميع بما هو شفاء القلب المريض ، لأنه نظم القريض فبلغ فيه الغاية ، وحمل قدّامه فحول المتقدمين الراية ، كذلك هو في الموشحات والأزجال والمكفرات والبلاليق والدوبيات والقرقيات والمواليات والكان وكان والقوما وكذلك الشعر أبدع في مديحه وهجوه ورثاه وأغزاله وأوصافه وتشبيهاته وحماسته وحكمه وأمثاله .
وأمّا نثره فهو طبقة وسطى ، وترسله يحتاج إلى أن تعلق في أذنه قرطا ، وكان يسافر ويتجر ، وكان ينقطع في بعض الأحيان عن الاجتداء بالشعر وينزجر ، وكان منقطعا إلى الملوك الأرتقية أصحاب ماردين ، وكان فيه شجاعة وإقدام ، وقوة وجنان ، وثبات أقدام ، وورد إلى مصر ومدح الملك الناصر فرج بن برقوق .
قلت : استوفى هذا الأديب حال الصفي وأنا بالأشواق إلى معرفته .
وكان الصفيّ من كبار الإمامية وكان عالما بالأدب ، وله شرح على بديعته أجاد فيها ، وله فضل السبق إلى نظم البديع في مديح رسول اللّه صلّى اللّه عليه واله وسلم وإنّما تبعه الحموي والموصلي والعميان أعنى محمد بن جابر الأندلسي صاحب بديعيتهم ، وعندي إن أجود شعره النبويات ، وديوان شعره مشهور ، فما خامرني خمره ، وهزّني بنسمته عطره ، من روضيّاته :
قد نشر الزنبق أعلامه * وقال كلّ الزهر في خدمتي
لو لم أكن في الحسن سلطانه * ما رفعت من دونه رايتي
فقهقه الورد به هازئا * وقال ما تحذر من سطوتي
وقال للسوسن ماذا الذي * يقوله الأشيب في حضرتي
فامتعض الزنبق من قوله * وقال للأزهار يا عصبتي
يكون هذا الجيش بي محدقا * ويضحك الورد على شيبتي
وأحسب أنّ ابن نباتة أخذ من هنا قوله :
حسب الفتى بعد الصّبا ذلّة * أن يضحك الشيب على ذقنه « 1 »
هامش
( 1 ) ديوان ابن نباته المصري .